عادة، عندما يتقرر اجراء استفتاء على حق شعب او منطقة في تقرير المصير ينتهي الاستفتاء دوما بالانفصال عن الدولة الأم. هكذا كانت نتيجة استفتاء الاريتريين على الانفصال عن اثيوبيا، والسلوفاك عن التشيك، والتيموريين عن اندونيسيا، والكوسوفار والمونتينيغرويين عن صربيا.
ومنذ انهيار جدار برلين كرت سبحة تقسيم الدول وتجزئتها على أساس عرقي او ديني بالاستفتاء السلمي او بالحروب الاهلية او بالارغام السياسي : الاتحاد السوفياتي تشظى 15 دولة، والاتحاد اليوغوسلافي صار سبع دول، تشيكوسلوفاكيا اثنتين، اثيوبيا اثنتين، اندونيسيا اثنتين .. والحبل على الجرار.
وحدها الدول العربية كانت عصية على التقسيم منذ تجزئتها بموجب اتفاق سايكس – بيكو على رغم النزعات الانفصالية القوية في اكثر من دولة : البربر في الجزائر، الصحراويون في المغرب، الجنوبيون في السودان وفي اليمن، السنغاليون في موريتانيا، الاكراد في العراق، الظفاريون في عمان، الطوائف في لبنان و…
طبعا الاعتصام بالوحدة لم يكن بالاقناع انما بالاكراه، واي اكراه ! قطع رؤوس دعاة الانفصال (لأي سبب كان حتى لو كان السبب وجيها ومحقا) بالمقصلة او بحروب الابادة الجماعية. اما كلمة استفتاء فلم يعرفها العالم العربي الا في حالة واحدة : التجديد التلقائي للحاكم وبنسبة 99 في المئة!
اليوم، يبدو ان الزمن تحول وصار "محرّم" الاستفتاء محلّلا والانفصال مباحا والتقسيم متاحا بعدما شلت بعض ايادي "جلادي" التوحيد بالاكراه او قطعت، وبات ممكنا تجزئة المجزأ بعدما كان ذلك عصيا على التنفيذ.
اليوم، لم تعد المطالبة بالاستفتاء والانفصال لغة خشبية يتشدق بها القوميون المتشددون .. صارت لغة عصرية حديثة ومقبولة لدى الجميع.
أول الغيث انفصال جنوب السودان عن شماله وتغيير الخريطة المتعارف عليها لهذا البلد منذ قرنين… اذ صار الطريق ممهدا لاستقلال الجنوبيين بعد اعلان الاتفاق على آلية الاستفتاء على الانفصال المقرر بعد سنتين، وهي آلية لا تدع مجالا للشك في أن تجزئة "الامة السودانية" باتت على الابواب. يكفي ان يؤيد الانفصال 50 في المئة من المشاركين في الاستفتاء حتى يصير الاستقلال حقيقة ويرتفع علم جديد على منصة الامم المتحدة، او ربما اعلام كثيرة ذات أصول سودانية لان سيل الانفصاليين في السودان الى اطراد في دارفور والبجا وكردفان وابيي والشرق بفعل اجواء "التضامن" و"الاخوة" و"المشاركة" و"المساواة" و"الانماء المتوازن" التي تشيعها السلطة في هذا البلد .
ولم يكن ينقص تثبيت الانفصال سوى المقايضة التي تعرضها واشنطن على الخرطوم: القبول بالاستفتاء مقابل الانفتاح على النظام وغض النظر عن الملاحقة الدولية للرئيس المتهم.
جغرافيا لايبتعد السودان كثيرا عن اليمن ولا يفصله عنه سوى مئات الكيلومترات من عرض البحر الاحمر. ويبدو ان العدوى الصومالية القديمة والسودانية الجديدة انتقلت عبر البحر الى اليمن. فمع الانباء عن انجاز الية الاستفتاء في جنوب السودان، تحمس الرئيس السابق لجمهورية اليمن الجنوبية سابقا علي سالم البيض للدعوة الى استفتاء مماثل في جنوب اليمن لتقرير المصير او العودة الى الحرب الاهلية.
وقد لا تحتاج دعوة البيض الى كثير من العناء لتحقيقها بعدما انحدر ما تبقى من دولة الى سلسلة حروب مدمرة على اكثر من جبهة: مع الحوثيين في الشمال، مع الجنوبيين، مع القاعدة في الوسط، مع الفساد المنتشر في كل مكان.
وبعض المتشائمين يرون ان اليمن قد ينزلق الى التقسيم قبل السودان وقد لا تقف التجزئة عند حدود البلدين.
أما العراق فهو مقسم فعلا مع وقف التنفيذ. آخر خيوط وحدته الوطنية قطعت من زمان، ولا يحتاج تقسيمه الى شهادات استفتاء موقعة من الامم المتحدة بقدر ما يحتاج الى غفلة عين اقليمية.
قافلة الانفصال تسير… لكن ثمة سؤالا دائما في الدول العربية ذات الطبيعة المتنوعة عرقيا او دينيا او ثقافيا: لماذا على شعوب هذه الدول ان تكون فريسة ديكتاتور يوحدها بالقوة او أسيرة حروب أهلية مدمرة او ان تقسم وتتشظى دويلات صغيرة غصبا عنها؟ أليس من "حلم" ديموقراطي يساوي بين المواطنين ويعدل بينهم ويجعل الدولة ملكا لكل أبنائها من دون تفرقة او ظلم!




















