( عميد احتياط، رئيس قسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية سابقا، كاتب يميني)
ثمة في إسرائيل من يدعون إلى تخفيف حدة اللهجة والامتناع عن الاحتكاك والنزاع مع تركيا ـ وهم محقون. لكن محظور العيش في الأوهام، فتركيا لم تعد إلى جانب إسرائيل.
محظور العيش في الوهم كما لو أن اللهجة غير العالية في القدس ستغير الواقع في أنقرة. محظور العيش في الوهم كما لو أنه إذا تجاهلت إسرائيل الاتهاهات التي توجهها حكومة تركيا، فسيكون هناك شخص ما رفيع المقام يقوم بإعادة البحث عن طرق لاستئناف التعاون. محظور العيش في الوهم القائل بأن الأمر يتعلق بحادث عابر.
التغييرات في تركيا ليست عفوية ولا مؤقتة. كما أنها ليس نتيجة لعمل أو اخفاق من قبل دولة إسرائيل، على الرغم من أن حملة رصاص مصهور حثت الخطوة التركية. ولا يمكن لأي عملية إسرائيلية أن تقود الحكومة الاسلامية في تركيا على تغيير معتقدها وتصورها الذي يقوم على أساس التعاطف مع كل شأن اسلامي.
التغيير في تركيا هو ثمرة تيارات إيديولوجية عميقة ومستقرة. هذا التغيير هو جزء من خطوة تاريخية تحصل أمام أعيننا. وأساس هذا التغيير هو أن العالم الاسلامي بشكل عام، وقسمه في الشرق الأوسط بشكل خاص، يتحول إلى عالم أكثر تدينا وأكثر تطرفا بكثير في كل ما يتعلق بتصوره السياسي والثقافي.
هذه العملية تبدو في تركيا أكثر حدة لأنها تتناقض كليا مع الثورة العلمانية التي غيّرت ظاهريا وجه تركيا بعد الحرب العالمية الأولى. وثمة في الخطوة التي قادها الحزب الحاكم الاسلامي عودة إلى الجذور الاسلامية لتركيا، الأمر الذي لا يبدو ممكنا قبل سنوات في أعقاب في اعتُبر نجاحا للثورة العلمانية ـ الغربية التي قادها كمال أتاتورك. يُضاف إلى ذلك المسعى الذي أفضى إلى تقزيم الجيش التركي الذي خسر، بتشجيع الاتحاد الأوروبي، دوره كمدافع عن العلمانية التركية. والآن، يقف الجيش خارج اللعبة السياسية تقريبا. هذه التغييرات لا تُعتبر مفروضة من العناصر الاسلامية. بل هي تنبع كنتيجة مباشرة من الانتخابات الديمقراطية، التي صوت فيها الشعب التركي لصالح حكومة ذات لون اسلامي واضح.
هذه التغييرات ليست جديدة. فمنذ سنوات عديدة تتزايد صروح المساجد في كل مكان في تركيا، ومنذ سنوات عديدة تتزايد أعداد النسوة اللواتي يرتدين الملابس بصورة محافظة أكثر. هذه الظاهرة تشير علانية إلى وجهة نظرهم وتصورهم الفكري. هذه الظواهر وغيرها تشهد على أن الأمر يتعلق بعملية عميقة ومتواصلة لن تتلاشى بسرعة.
الدولة التي تتحول أكثر اسلامية بينما جيشها، الحليف الرئيس لإسرائيل، يخرج من صورة اتخاذ القرارات، تميل بشكل طبيعي لصالح الدول الاسلامية، وضد إسرائيل. هذه دولة لا تختلف إيديولوجية الحزب الحاكم فيها عن ايديولوجية حماس، من دون مركب الارهاب الفلسطيني. ويجدر بنا الاعتراف بأن إسرائيل لا يمكنها تغيير ذلك.
أنا لا أعرف مستوى الدور الذي لعبته خيبة الأمل من عدم فتح أوروبا ذراعيها لإدخال تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، في تغيير التصور التركي، لكن من الواضح الآن أن تركيا الاسلامية المتطرفة تمثل خطرا على أوروبا الليبرالية. ولن أتعجب إذا ما ازدادت المعارضة لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. هذه العملية ستفضي إلى جعل التوجه الاسلامي في تركيا يحظى بقوة مضاعفة.
ومع كل ذلك، من المناسب أخذ الحذر في الرد على تركيا. فهي لا تزال من أهم الدول في الشرق الأوسط، واهمتيها هذه تتضاعف كثيرا بسبب حدودها الطويلة مع إيران. علاوة على ذلك، لا تزال هناك مصالح مشتركة بين إسرائيل وتركيا، مثل محاربة الارهاب المتطرف الذي ضربهما أكثر من مرة. ولكلاهما الرغبة في تعزيز الصلات الاقتصادية، لكن يجب ممارسة النشاط مع تركيا في ظل معرفة أنه خلافا للماضي، لم يعد الأمر يتعلق بشريك استراتيجي لدولة إسرائيل.
حتى لو تم التوصل إلى صيغة لتبديد التوتر الحالي، يتعلق الأمر بدولة تفضل قيادتها الحالية التصور الاسلامي والصداقة مع الدول العربية على التحالف مع إسرائيل.
لا أعرف ما إذا كان ثمة في تركيا تطلع خفي لتجديد الخلافة التي أُلغيت بعد الحرب العالمية الأولى. لكن لا شك في أن حكومة تركيا، في ظل دعم واسناد شعبي قوي، تريد إعادة تركيا إلى قلب الإجماع الاسلامي. وهذا الأمر لا يمكن أن يحصل إلا على حساب إسرائيل، وليس بالتعاون معها.
ينبغي تغيير الاسطوانة بخصوص منظومة العلاقات مع تركيا: فهي لم تعد معنا. ينبغي التفكير في كيفية الوصول إلى وضع لا تقف فيه تركيا ضدنا عند كل خلاف يحصل بيننا وبين طرف عربي أو إسلامي، وكيفية ترتيب أمورنا وأوضاعنا من دونها.
("إسرائيل اليوم" 19/10/2009)




















