في حفلة انتخابية خلال الانتخابات التمهيدية العام الماضي، صدر عني تعليق مرتجل استخففت فيه بمن يعتقدون أن هوية أوباما العرقية المختلطة تمنحه فهماً فريداً للمشكلات العرقية في أميركا. وأجابتني امرأة "بلى تفعل". شرحت لها أنني أمزح. أما هي فلم تكن تمزح. أضافت "إنها تمنحه ذلك فعلاً. فهو يعرف كيف يفكّر السود ويعرف كيف يفكّر البيض". قلت لها "إذا كان هذا هو المطلوب، فعندئذٍ تايغر وودز [والده من أصل أميركي أفريقي وصيني كما يتحدر من الأميركيين الأصليين، ووالدته من أصل تايلندي وصيني وهولندي] يجب أن يكون رئيساً، وكان يجدر بنلسون مانديلا أن يبقى في [مسقط رأسه] ترانسكي". فسألت "إذاً لماذا يبلي جيداً هكذا؟" قلت إن السبب قد يكون في موقفه من الحرب، والوضع الاقتصادي، والرغبة في الانتقال من الاحتكار الثنائي بوش-كلينتون إلى جانب خبرته في تنظيم القواعد الشعبية واستخدامه التكنولوجيا الجديدة. فعلّقت "هناك أكثر من ذلك. إنه هو".
من شبه المستحيل إجراء حديث ذكي عن أوباما. ليست المشكلة في أن الناس يقاربون المسألة مع معتقدات تعوّقهم فكرياً. فالجميع يقاربون كل شيء في السياسة مع معتقدات معوّقة فكرياً. بل المشكلة هي أنهم يرفضون الاعتراف بذلك أو حتى إعلانه. سرعان ما يتحول أي حديث عما يفعله إلى حديث عما هو عليه وما يمكن أن يكون عليه.
في نيو جرسي، يعتقد أكثر من ثلث المحافظين أنه يمكن أن يكون الشيطان بالمعنى الحرفي للكلمة. فقد كشف استطلاع آراء الشهر الفائت أن 18 في المئة من المحافظين في الولاية يعرفون أنه المسيح الدجال، في حين أن 17 في المئة ليسوا أكيدين. وفي أوسلو حيث مُنِح الأسبوع الماضي جائزة نوبل للسلام، يظنون أنه قد يكون الأم تيريزا. أقل ما يقال هو أنه من الغريب منح جائزة سلام لقائد مضى تسعة أشهر على توليه منصبه وإنجازه الأكبر في السياسة الخارجية حتى الآن هو التخفيف من حدة حرب للتصعيد في حرب أخرى.
لا شك في أن سيرة حياة أوباما وصعوده المفاجئ وبرودة طباعه زادت من حدة التناقضات في نظرة الأشخاص المختلفين إلى مسيرته. لكن المشكلة أوسع نطاقاً بكثير. فإن الهوس بالشهرة وعبادة الشخصية الرئاسية وثقافة الفردانية (وكلها سبقت انتخابه بوقت طويل) جعلت فهم السياسيين الغربيين ضمن سياقهم السياسي في شكل أساسي، أمراً نادراً نسبياً.
نتحدّث بدلاً من ذلك عن "رجال عظام" صنعوا التاريخ، كما قال توماس كارليل، بغض النظر عن المجتمع والثقافات التي أنتجتهم. وهكذا تصبح الروايات عن أمزجتهم وآليات التفكير لديهم وعيوبهم البسيكولوجية وعبقريتهم الفريدة، ذات أهمية خاصة. يتحوّل التركيز من السياسة إلى الشخصية: يصبح عجزهم عن الوثوق بالآخرين أو فشلهم في القيادة أو استعدادهم للمساومة المسائل الأساسية. لا يكمن مصير العالم في أيديهم بقدر ما يكمن في معدتهم وذهنهم. ويثيرون نقاشاً وطنياً حول ما إذا كانوا يتناولون أدوية أم لا.
وهكذا نظراً إلى كل المواهب الفردية التي يتمتع بها أوباما، يُضيّع واقع أنه وليد لحظة ونظام سياسيين معيّنَين، ويجسّد تالياً إمكاناتهما وحدودهما على السواء.
بيد أنه ليس من الصعب رؤية الإمكانات. في الداخل، أدّى انتخابه إلى بروز ائتلاف جديد لتحويل المشهد الانتخابي. فاز بأصوات 97 في المئة من الأميركيين السود و67 في المئة من اللاتين وأعضاء النقابات البيض، و66 في المئة من الذين تراوح أعمارهم بين 18 و29 عاماً، و63 في المئة من الأميركيين الآسيويين. زادت نسبة التصويت لدى السود 14 في المئة، واللاتين 25 في المئة، والشبان بين 18 و29 عاماً 25 في المئة. وعلى أعقابه فاز الديموقراطيون بغالبية كبيرة في كل من مجلس النواب والشيوخ في الكونغرس.
يتبيّن الآن أنه الرئيس الأكثر تقدّمية منذ 40 عاماً. تشكّل الأجندة التي وضعها وتقوم على زيادة الضرائب على الأثرياء وإصلاح الرعاية الصحية والانسحاب من العراق وتخفيف العقوبات على كوبا وزيادة عدد المنح للطلاب، رؤية أكثر جرأة بكثير من رؤية بيل كلينتون أو جيمي كارتر لوظيفة الحكومة.
لا يزال يتمتّع بشعبية واسعة جداً على الساحة الدولية، لا سيما لأنه ليس جورج بوش. في استطلاع آراء نُشِر الأسبوع الماضي عن البلد الذي يحظى بالإعجاب الأكبر في العالم، قفزت أميركا من المرتبة السابعة إلى الأولى. شرح سايمون أنهولت من مؤشر Anholt-GfK Roper Nation Brands "اللافت هو أنه طوال عملي على دراسة السمعة الوطنية منذ سنين عدة، لم أرَ قط بلداً يشهد هذا التغيير الدراماتيكي في مكانته، كما يحصل مع الولايات المتحدة في سنة 2009". إنها أفضل نتيجة يحصل عليها اليسار من انتخابات أميركية.
لكن الحدود واضحة جداً أيضاً. فالقول بأنه الرئيس الأميركي الأكثر تقدمية منذ أكثر من جيل ليس مشابهاً للقول بأنه تقدمي. كل شيء نسبي. صعّد الحرب في أفغانستان، وحافظ على عدد كبير من الصلاحيات الرئاسية الأكثر إيذاء التي استحوذ عليها بوش.
واقع أن الديموقراطيين يملكون غالبية كافية في مجلسَي الكونغرس لإقرار ما يريدون لكنهم يجدون صعوبة في إقرار أي شيء من شأنه أن يشكّل قطيعة حاسمة ونهائية مع الماضي، يشير إلى أن المشكلة في واشنطن ليست "السياسة الحزبية". إنهما نظام وثقافة سياسيان مزدحمان بأعضاء اللوبي المنتمين إلى الشركات إلى درجة أنهما يبدوان عاجزين عن تلبية أمنيات الشعب حتى ولو كانا يريدان ذلك – كما هي الحال مع الخيار العام في الرعاية الصحية.
وكونه وليد ذلك النظام لا يعني أنه ليس متفانياً بالضرورة لإصلاحه. لكننا لا نستطيع أن نقيس هذا التفاني، بل يمكننا فقط قياس إنجازاته. وحتى الآن لم تكن تلك الإنجازات عظيمة.
في هذه الأثناء، لم يستفد كثيراً من شعبيته العالمية. لا يريد أحد زيادة عديد الجنود في أفغانستان أو استقبال سجناء خليج غوانتانامو. عندما تتبلور جهوده لتغيير المناخ في الكونغرس، من المستبعد أن تثير إعجاب المجتمع الدولي. قال بيتر فيفر، مستشار بوش السابق، لصحيفة "نيويورك تايمز" أخيراً "المشكلة هي أنه يطلب الأشياء نفسها تقريباً التي طلبها بوش ولم يحصل عليها، وليس السبب أنه كان ديبلوماسياً أو كاوبوي فظاً. لو كانت هذه هي الحال، لحُلَّت المشكلة بوصول الرئيس أوباما الذي يتحلى بالرقي والكياسة. لم يحصل عليها بوش لأنه كانت لهذه البلدان أسباب وجيهة كي لا تمنحه إياها". هذا ليس صحيحاً تماماً. فهو يطلب أقل ومستعد لأن يعطي أكثر. لكن الواقع يبقى أنه يريد أشياء مماثلة، وتبدو تنازلاته غير كافية.
بتعبير أبسط، لا يبدو أنه يملك المقوّمات اللازمة لتطبيق التغيير على النطاق الضروري لتسكين ألم الشعوب والكرة الأرضية. ثمة خطر بأن يتسبّب ذلك بتهكّمية شديدة وحتى برد فعل قوي. سوف يقول الناس، لقد مددنا أيدينا للتعاون لكن لم يبادلنا أحد بالمثل؛ حاولنا إصلاح الرعاية الصحية لكن لم يتغير الكثير. لم يتطلب توقع خيبات الأمل هذه، من جانب اليسار، الكثير من التبصّر. فنظراً إلى سياسته ومجموعة المؤسسات التي يتجذّر فيها، لطالما كانت الحدود واضحة. السؤال المفتوح هو عن القدرة على تجاوزها.
لا يعفي هذا أوباما من مسؤولياته كما أنه لا يتجاهل إمكاناته المهمة، بل يوجّه انتقاداً ذا مغزى له هنا على الأرض – لا في الجنة أو الجحيم. فكونه يدفع البلاد في الاتجاه الصحيح لا يعني أنه قادر على دفعها سريعاً أو بعيداً بما يكفي.
يبدو أن العالم قد يحتاج إلى أكثر مما تستطيع السياسة الأميركية توليده الآن، من أجل عافيته ورفاهه في المستقبل. وأفضل ما لدى أوباما قد لا يكون كافياً.
"الغارديان"
ترجمة نسرين ناضر




















