وسام سعادة
الجمود الذي يمسك بالوضع المحليّ تعبير عن جمود يطبع مجمل ملفّات المنطقة وسائر مساعي حلّ هذه الملفّات. وليس من المجازفة في شيء القول إنّ هذا الجمود الإقليميّ انعكاس لواقع دوليّ لا يشي هو الآخر بحيويّات نابضة أو واعدة.
فالعالم ملهيّ بمعالجة أزمة ماليّة عالميّة ما زالت تتوالى تداعياتها، وهذا العالم الذي كان يبدو ثنائيّ القطب في أيّام الحرب الباردة وأحاديّها في أعقابها، لطالما حلمت شعوبه بأن يتحوّل إلى عالم متعدّد الأقطاب فكانت النتيجة أن صار هذا الواقع المنشود واقعنا اليوم، إنّما واقع يلفّه الجمود من كلّ جانب. بل ثمّة من لا يكتفي اليوم بلحظ الجمود على الصعد السياسيّة والعسكريّة في عالم اليوم، زد على الجمود الإقتصاديّ، وإنّما يتحدّث عن جمود على الصعيد الفكريّ والثقافيّ والفنيّ، وهناك من يغامر أكثر ويتحدّث عن جمود على صعيد التطوّر العلميّ والتقنّي.
وفي عالم يجمع شمله الجمود، تعطّلت حركة تمدّد الديموقراطيّة شرقاً، بعد أن خلناها حتميّة تاريخيّة توسّع مدى الديموقراطيّة أكثر فأكثر ضمن المجال الأوروبيّ المتوسطّي وخارجه على امتداد العقود المنصرمة.
وفي عالم اليوم، انزوت المخاطر الإرهابيّة بعيداً عن مدائن الغرب، بعد أن كانت تطال هذا الغرب في عقر داره، أي في نيويورك وواشنطن ومدريد ولندن، ولم يؤد ابتعاد الموجة الإرهابيّة إلى هجمة حضاريّة مرتدّة في الغرب بإتجاه "تنوير" الأقاليم المتاخمة، ولا إلى مخاض حضاريّ من أيّ نوع في هذه الأقاليم المتاخمة، إنّما طفح الجمود.
كذلك هُجِرت سياسات "الحروب الإستباقيّة" كما لو أنّ آخر تجربة في "إحياء الإستعمار" كانت آخر تجلّيات "العقل المغامر" على رأس الإمبراطوريّة الغربية وهو يحاول الإفلات من الجمود. أمّا "العقل الديبلوماسيّ الخطابيّ" الذي حلّ مكانه، على رأس الإدارة الأميركيّة، وبمهارات "تسويقيّة" بعضها جذّاب، فلم يستطع حتى الآن أن يثبت نجاحاً في أيّ ملف من الملفّات، ولو كانت معالجة آثار الأزمة الماليّة العالميّة هي الملف المركزيّ الذي يكرّم عليه هذا "العقل الديبلوماسيّ" أو يٌهان، وليس هناك مؤشّر حاسم في هذا المجال.
قبل بضع سنوات كان الغرب "الثائر" لـ 11 أيلول يتعامل مع منطقتنا إمّا على أنّها ميدان مواقعة يوميّة مع الإرهاب وميدان توليد يوميّ لمضادات محلّية تقاوم الإرهاب وتستقبل نسائم الديموقراطيّة، وإمّا على أنّها منطقة معاديّة ككل وينبغي إقامة جدار عازل بين الغرب وبينها. أمّا اليوم فإنّ المجتمع الدوليّ الغربيّ يؤثر التعامل مع منطقة الشرق الأوسط كأنها "منطقة عازلة" بل مجموع مناطق عازلة لبعضها البعض، وهذا الميل الإحتوائيّ العام هو الذي يسند كل وضعيات الجمود، وعلى أساسه يريد البعض تحويل لبنان إلى مجموع مناطق طوائف عازلة لبعضها البعض.
برزت في السنتين الأخيرتين إنتظارات عديدة تحاول أن تتسلّل إقليميّاً خارج حدود "الجمود": من هذه الإنتظارات إنفكاك سوريا عن إيران، ونجاح العراق في تقديم نموذج غير صدّام وغير الحرب الأهليّة، ثم بعد الانتخابات الرئاسية و"الثورة الخضراء" برزت الآمال في تغيير بنيويّ للوضع في إيران. في كلّ هذه الحالات برز الجمود بوصفه المنتصر الوحيد. لم تنفك سوريا عن إيران إنّما لعبت ورقة "تماهيها" مع صورة عالم يحكمه الجمود، وصورة منطقة يحكمها الجمود. وتطوّر الوضع في العراق، إنّما لصالح التماثل أكثر فأكثر مع وضعيّة "الجمود" وليس مع فكرة "المخاض الحيويّ".
ولبنان الذي دخل منذ القرار 1559 في مرحلة بعيدة عن "الجمود"، مع مسلسل الإغتيالات، فحركة الساحات المتواجهة، ثم الإنسحاب السوريّ، ثم المواجهات الأهليّة الميدانيّة، ثم الحرب الإسرائيليّة التهجيريّة، ثم الإحتلال الأمنيّ لوسط المدينة، ثم الإستباحة الأمنيّة للمدينة، ثم الإستعدادت للاحتكام إلى صندوق الإقتراع، فإنّه دخل مرحلة غير مسبوقة من "الجمود" بعد هذه الإنتخابات الأخيرة، بقطع النظر عن صحّة مناخات التشاؤم أو التفاؤل، وانعكس الجمود على مشروع الإستقلال الثاني من حيث هو بالدرجة الأولى مشروع توسيع مدارك وآفاق للإحتكام إلى الدستور من ناحية، وإلى الناس من ناحية أخرى.
وفي وضع كهذا فإمّأ أن يسلّم حملة مشروع الإستقلال الثانيّ بأن جمودنا المحليّ إنعكاس لجمود إقليميّ فدوليّ، وإمّا أنّ يهمّوا بطرح الأسئلة الأولى المباغتة لهذا الجمود. في كلّ الأحوال ليسَ الجمود وضعيّة صحيّة، وليس الجمود هو اسم آخر للإستقرار، كما ليس الجمود هو بداية الإستقرار.




















