واشنطن – من هشام ملحم:
اذا كان الرئيس الاميركي باراك اوباما ورث رغماً عنه من سلفه الرئيس السابق جورج بوش حربين في العراق وافغانستان، الا انه قرر ان يشن حربا ثالثة ضد… شبكة التلفزيون اليمينية "فوكس نيوز"، التي وصفتها مديرة الاتصالات في البيت الابيض أنيتا دون بأنها "جناح في الحزب الجمهوري" و "صحافة رأي تتنكر وكأنها صحافة أخبار".
وفي الايام الأخيرة شن مسؤولون بارزون في البيت الابيض بينهم المستشار ديفيد اكسلراد ومدير البيت الابيض رام ايمانويل حملة علنية عبر شبكات التلفزيون الاخرى ضد "فوكس" بغية التشكيك في صدقيتها كوسيلة اعلامية شرعية ومعاقبتها لأنها "تشيطن" الرئيس الاميركي وتشوّه سجله وتحرض الاميركيين ضده.
وأظهرت نتائج المناوشات الاولى ان "فوكس" هي الفائزة، اذ لم يخفِ بعض مقدمي البرامج فيها سعادتهم العارمة بهذه المواجهة المثيرة التي جلبت الكثير من الاهتمام للمحطة التي ارتفعت نسبة مشاهديها هذه السنة أكثر من عشرين في المئة، بصفتها المنبر التلفزيوني الرئيسي المعارض للرئيس اوباما. ومع ان شبكات التلفزيون الاخرى وكبريات الصحف تأخرت بعض الشيء في انتقاد حملة البيت الابيض ضد "فوكس"، الا ان بعض المعلقين ومن بينهم ليبراليون ينتقدون "فوكس" عادة، وجهوا انتقادات لاذعة الى البيت الابيض لأن حرب اوباما، كما قالت المعلقة روث ماركوس "غبية على أكثر من مستوى…"، ولانها تجعل البيت الابيض يبدو "ضعيفا وضئيلا"، فضلاً عن أن هذه الحملة "تذكّر بالاساليب القذرة" التي استخدمها الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون ضد الاعلام والاعلاميين الذين عارضوه. في حين قال آخرون ان اوباما طرح نفسه كمرشح يؤمن "بنوع جديد من السياسة" وكرئيس وفاقي ومتسامح يترفع عن مثل هذه الصغائر ويدعو دائما الى الحوار، وهو يناقض هذه الطروحات بحربه ضد شبكة "فوكس"، لانه كما قال المعلق مات كوبر، اذا كان البيت الابيض مستعداً للتحاور مع ايران، فعليه ان يكون مستعداً للتحاور مع "فوكس نيوز".
وفي الآونة الاخيرة حصلت معارك موازية بين المعلقين والمدونين الليبراليين واليمينيين في فضاء الانترنت بين الذين رفعوا راية البيت الابيض وقالوا ان "فوكس" قد تمادت كثيراً في تشويه سجل الرئيس والتحريض ضده، والذين اعتبروا ان "فوكس" ضحية حملة يقودها البيت الابيض وتهدف الى لجم حرية التعبير، عكست بدورها عمق الانقسامات الايديولوجية والسياسية في البلاد وخطورتها. وتحولت المواجهة مادة دسمة للفكاهيين مثل جي لينو الذي قال ان اوباما يحشد 40 الف جندي… لمحاربة شبكة "فوكس".
اسئلة محرجة
وتطرح هذه المواجهة العلنية اسئلة محرجة ومقلقة تتعلق بالعلاقة التقليدية المتوترة بالضرورة بين وسائل الاعلام الاميركية الرئيسية المعروفة باستقلاليتها والبيت الابيض، في شأن جدوى، وخطورة، مثل هذه الضغوط من السلطة ضد الاعلام (بصرف النظر عن مهنية وسيلة الاعلام المقصودة وصدقيتها) في مجتمع ديموقراطي، مع ما يعنيه ذلك من ترهيب ضمني لوسائل الاعلام الاخرى، وكيفية استغلال الحكومة قدرتها على تسريب الاخبار او توفير فرص وصول الصحافيين الى المسؤولين. كما تطرح اسئلة عن التغييرات العميقة التي طرأت في السنوات الاخيرة على طبيعة الاعلام ودوره مع بروز شبكات الكابل والانترنت والمدونين، ومضاعفات طمس الخطوط التي كانت تفصل سابقاً بين الاعلام الجدي من جهة والترفيه والاثارة وحتى التحريض الذي تتميز به البرامج الحوارية على شبكات الكابل، وأكثرها نفورا على شبكة "فوكس"، التي يديرها افراد لهم برامجهم ومصالحهم السياسية الضيقة، من جهة اخرى.
ومن الواضح انه منذ بداية حملة اوباما الرئاسية تحولت شبكة "فوكس" منبراً لمنتقديه، ووصلت هذه الحملة مع انتخابه الى مستويات اعلى وأشرس وخصوصا خلال مناقشة خطط اوباما لاصلاح العناية الصحية حيث غطت الشبكة على نحو مبالغ فيه نشاطات معارضي اوباما، الى تغطيتها نشاطات جماعات هامشية شككت في مواطنية اوباما او اتهمته بأنه يسعى الى اضعاف اميركا او تحويلها دولة اشتراكية.
أحد اكثر مقدمي البرامج الحوارية في "فوكس" اثارة، غلين بيك قال ان اوباما "يضمر كراهية عميقة للناس البيض…". والبرنامج الصباحي لـ"فوكس" ادعى ان اوباما عندما كان صبيا صغيرا في اندونيسيا تعلم في "مدرسة اسلامية"، وكأن مقدم البرنامج اراد ان يوحي ان اوباما قد تدرب على "الجهاد". بعض الذين استضافتهم "فوكس" منذ تسلم اوباما منصبه استخدموا في وصفه العبارات الآتية: "فاشي"، "شيوعي"، "اشتراكي"، "عنصري"، "يرئس حكومة عالم ثالث"، "معاد لاميركا"، "هذا ما فعله هتلر"، "هذا جوزف ستالين"… هذا الجو العدائي لاوباما نسجه مدير "فوكس" روجر أيلز حين قال ساخرا من المرشح اوباما قبل انتخابه: "هل يا ترى اتصل الرئيس بوش بالرئيس (الباكستاني برويز) مشرف قائلا: لماذا لا نقبض على هذا الرجل"؟!، وكأن اوباما ينتمي الى تنظيم "القاعدة" او الى حركة "طالبان".
ولكن بعض انتقادات "فوكس" كانت صائبة جزئياً وساهمت في ارغام فان جونز، وهو مستشار للرئيس اوباما لشؤون البيئة، على الاستقالة بعدما كشفت مواقف محرجة سابقة له. كما ان انتقادات "فوكس" المستمرة لمنظمة "اكورن" المؤيدة لاوباما والتي تنشط في مجال تسجيل المواطنين للتصويت، ادت الى كشف تجاوزات وفساد وسوء ادارة.
معاقبة الشبكة
ورداً على هذه التغطية من "فوكس" والتي يصفها معظم النقاد الاعلاميين بالعدائية، بدأ البيت الابيض معاقبة "فوكس" من خلال حرمانها الحصول على مقابلات مع المسؤولين وخصوصا الرئيس الاميركي. وفي العشرين من ايلول الماضي اعطى اوباما مقابلات لخمس شبكات تلفزيون رئيسية في البلاد، بما فيها شبكة ناطقة بالاسبانية لشرح خطته لاصلاح العناية الصحية، لكنه استثنى عن قصد شبكة "فوكس". ويوم الاحد الماضي، صعد البيت الابيض حملته ضد "فوكس"، حين قال المستشار اكسلراد ان "فوكس ليست شبكة اخبارية"، ونصح محاوره من شبكة "آي بي سي" بألا يعتبر "فوكس" شبكة اخبارية. وواصل مدير البيت الابيض رام ايمانويل الاسلوب الهجومي ذاته قائلا لمحاوره من شبكة "سي أن أن"، ان الرئيس اوباما "لا يريد ان تتبع سي أن أن وغيرها من الشبكات التلفزيونية خط فوكس". ولاحظ العديد من الصحافيين والمعلقين انها المرة الاولى التي يقوم بها مسؤولون بارزون في البيت الابيض بحض وسائل الاعلام على مقاطعة وسيلة اعلامية من بينهم.
ورد نائب رئيس "فوكس" مايكل كلامينتي قائلا انه "من المستغرب ان يواصل البيت الابيض اعلان حربه على منظمة اعلامية بدلا من التركيز على القضايا الجوهرية التي تهم الاميركيين مثل الوظائف والعناية الصحية وحربين…". مؤيدو "فوكس" وبعض المعلقين اشاروا الى انه في مواجهة شبكة "فوكس" المحافظة واليمينية هناك شبكة "أم أس أن بي سي" الليبرالية التي تؤيد اوباما وسياساته عموما، والتي تنتقد بدورها شبكة "فوكس".
ويبدو ان البيت الابيض بدأ قبل اسابيع التحضير لمواجهة "فوكس"، وخصوصا بعدما تبين ان الاجتماع السري بين مستشار البيت الابيض ديفيد اكسلراد ومدير "فوكس" روجر أيلز في الشهر الماضي لم يؤد الى هدنة حقيقية، والاهم من ذلك عندما ادرك البيت الابيض ان مديري التحرير في صحف بارزة مثل "النيويورك تايمس" و"الواشنطن بوست" وغيرهما بدأوا يتساءلون لماذا انفردت "فوكس" بالكشف عن خلفية المسؤول فان جونز وسوء ادارة وفساد "اكورن". وعلى رغم الانتقادات الموجهة الى البيت الابيض، قال أكسلراد ان البيت الابيض مرتاح لانه بدأ نقاشا علنا حول "فوكس" ودورها. لكنه أقر بأن البيت الابيض قلق من ان تقود "فوكس" وسائل الاعلام الاخرى وراءها، حين قال: "همنا هو الا تمشي وسائل الاعلام الاخرى وراء فوكس". ومع ارتفاع الاصوات المنتقدة للبيت الابيض، وخصوصا الاصوات المحايدة او المؤيدة لاوباما لحملة البيت الابيض ضد "فوكس"، بدأت شبكات التلفزيون الاخرى ترجمة تضامنها مع "فوكس" عمليا، ونجحت قبل ايام في ارغام البيت الابيض على التراجع عن حرمان "فوكس" مقابلة مع المسؤول في وزارة المال كينيث فاينبيرغ، عندما رفضت شبكات التلفزيون الاخرى اجراء مقابلات مماثلة معه، اذا تم استثناء "فوكس".
تاريخ من المواجهات
هناك تاريخ حافل من المواجهات بين الرؤساء الاميركيين ووسائل الاعلام، يعود الى الرئيس الثالث توماس جيفرسون الذي كان يحتقر الصحف لانها كانت تشوه سمعته (لكن جيفرسون لم ينتقم منها وهو المعروف بجملته الشهيرة من انه اذا كان عليه الاختيار بين حكومة دون صحف، او صحف من دون حكومة فانه يختار العيش في بلاد فيها صحف ومن دون حكومة). وكانت هذه المواجهات تتخذ احيانا طابعا عدائيا ونافرا للغاية، وخصوصا خلال الازمات والحروب. وفي معظم الاحيان كان البيت الابيض هو الطرف الخاسر فيها.
الرئيس وليم ماكينلي وصف الصحافيين بأنهم "مجلس من المخترعين". الرئيس هاري ترومان هدد بخصي ناقد موسيقي تجرأ على انتقاد غناء ابنته. وتميزت علاقات الرئيس ريتشارد نيكسون بوسائل الاعلام بعداء سافر بسبب معارضة العديد من الصحافيين والمعلقين للحرب في فيتنام، الامر الذي دفعه الى وضع قائمة "بأسماء الصحافيين الاعداء" وسعى الى استخدام الاجهزة الحكومية ضدهم. وبعدما نشرت صحيفة "النيويورك تايمس" ما عرف باسم "اوراق البنتاغون" وهي وثائق كشفت ان نيكسون قد وسّع حرب فيتنام لتشمل قصفا مكثفا سريا لكمبوديا ولاوس، اتهم مستشار نيكسون لشؤون الامن القومي هنري كيسينجر الصحيفة بالخيانة. وحتى الرئيس جون ف. كينيدي الذي كانت تربطه بالصحافيين علاقات جيدة اجمالا، طلب من "النيويورك تايمس" نقل الصحافي البارز ديفيد هالبرستام من فيتنام بسبب ما اعتبره كينيدي تغطيته النقدية للحرب. الرئيس جورج بوش الاب دخل في مواجهات مع الصحافيين، ودعا الاميركيين الى التصويت له لاغاظة وسائل الاعلام. من جهته شكى الرئيس بيل كلينتون من التغطية الاعلامية التي حظي بها وخصوصا خلال فضيحة مونيكا لوينسكي. الرئيس جورج بوش الابن كان يعامل وسائل الاعلام وكأنها طرف منافس، وكان يفاخر بأنه لا يقرأ الصحف، بينما كان نائبه ديك تشيني لا يتورع عن مقاطعة الصحافيين الذين كانوا ينتقدون ادارة بوش واداءها.
مثل هذه المواجهات غير المتكافئة، تؤكد انها تؤدي الى نتائج عكسية ضد الحكومة التي يبدو انها عندما تدخل في مواجهة مع وسيلة اعلامية تخرج منها مهزومة، لأنها كما قال المعلق ديفيد كار، تحمل سكيناً الى مبارزة يفترض ان تكون بالمسدسات.
"النهار"




















