سميح صعب
يضيّق تسارع الاحداث في افغانستان وباكستان هامش الخيارات امام الرئيس الاميركي باراك اوباما بالنسبة الى هاتين الدولتين في ظل سباق بين تطور هجمات "طالبان" والاستراتيجية التي يدرسها البيت الابيض. لكن عامل الوقت يبدو ضاغطاً والتطورات لا تصب في مصلحة الولايات المتحدة سواء في كابول أم في اسلام اباد.
فالكلفة البشرية للحرب الافغانية في تصاعد مقابل تدني التأييد الشعبي لهذه الحرب التي وصفها اوباما في الماضي بانها "حرب ضرورية" بخلاف حرب العراق. وفي باكستان نقلت "طالبان" الحرب من الاطراف الى قلب المدن سواء باستهداف المراكز العسكرية أم باستهداف المدنيين، مما يزيد اعباء الحملة العسكرية التي بدأها الجيش الباكستاني على معقل المقاتلين المتشددين في اقليم جنوب وزيرستان.
ومع اشتداد الضغط، ظهر التباين داخل القيادة الاميركية. الجنرالات على الارض يريدون تعزيزات جذرية لكبح هجمات "طالبان"، في حين يرى فريق من السياسيين يقودهم نائب الرئيس الاميركي جو بايدن ان لا ضرورة للاستعجال في اتخاذ قرار بارسال هذا الحجم من التعزيزات. وبين قائد القوات الاميركية في افغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال وبايدن، لا يزال اوباما يزن الامور ويحاول التوفيق بين وجهتي النظر.
ومما يزيد الامور تعقيداً هذا الترابط بين الوضعين الافغاني والباكستاني، إذ لم يعد في امكان واشنطن ان تضع استراتيجية للتعامل مع افغانستان وحدها ولا استراتيجية للتعامل مع باكستان وحدها. وباتت واشنطن تدرك ان تزايد نفوذ "طالبان" في افغانستان ينعكس حكماً في تزايد قدرة "طالبان" باكستان، والعكس صحيح. وربما هذا ما يملي التأخير في ظهور الاستراتيجية الاميركية الجديدة.
وبعد مضي سبعة اعوام على الغزو الاميركي لافغانستان، لا يبدو ان الحكومة التي يرئسها حميد كرزاي قادرة على الامساك بالارض. وحتى كابول التي كانت بمنأى نسبياً عن هجمات "طالبان" باتت منذ اشهر هدفاً لهم، في حين ان وجود الحكومة المركزية في الولايات الجنوبية والشرقية التي تشهد قتالاً مستمراً، يكاد يكون معدوماً. ومن الواضح انه لولا الوجود العسكري الاميركي والاطلسي لما استطاعت الحكومة الافغانية الصمود يوماً واحداً في مواجهة المتشددين.
والملاحظ ان التجربة العراقية المتمثلة في الاعتماد على القوى المحلية مقدمة للانسحاب التدريجي من البلاد، لا تنطبق على افغانستان، لأن القوى المحلية الافغانية من الضعف بحيث لا يمكن الركون الى صمودها في مواجهة "طالبان". وهذا سر المأزق الاميركي، فارسال مزيد من القوات قد يخدم في كسر شوكة "طالبان" لفترة من الوقت، لكنه سيزيد التورط العسكري الاميركي على المدى البعيد.
وفي باكستان، يميل الوضع الى مزيد من الاضطراب، في حين ان مزيداً من التدخل الاميركي على غرار الضربات الجوية التي تنفذ ضد اهداف محددة داخل الاقاليم الباكستانية المحاذية لافغانستان، سيعني تزايد النقمة الشعبية على الحكومة الباكستانية وتالياً خسارة المعركة ضد المتشددين. وعند أي تدهور في باكستان تقفز الاهتمامات الى أمن الترسانة النووية لهذا البلد. هل هي في أمان وبعيدة من متناول المتطرفين؟
ان خيار الحرب على افغانستان في 2001، ومن بعده على العراق، أفضى الى هذه النتيجة. وتبين ان سرعة الحسم العسكري ضد النظامين اللذين كانا قائمين في كابول وبغداد لم تجلب الامن الى هذين البلدين اللذين لا يزالان يعانيان تداعيات الحرب. وها هي الأخرى باكستان تنهار بفعل التطورات في افغانستان.
وتبعاً لذلك يتردد اوباما في أي طريق سيسلك، هل يمضي في زيادة القوات في حرب لا يمكن الفوز فيها بحسب التجارب التاريخية ام ينسحب؟ وفي كلا الحالين التبعات ستكون خطيرة في افغانستان وعلى حدودها.
"النهار"




















