كان وصول اليمين الاسرائيلي برئاسة بنيامين نتنياهو إلى السلطة قبل حوالي الستة شهور دليلا قويا وحاسما على أن الأغلبية اليهودية في اسرائيل قد تحولت نحو اليمين الذي لا يثق بعملية السلام العادل بل ويبذل كل جهد ممكن من أجل وقف هذه العملية، ويرفض بشكل قاطع التزامات السلام المنصوص عليها في كافة المبادرات والتفاهمات وخطط التسوية المطروحة على الطاولة منذ مؤتمر مدريد عام ١٩٩١ وحتى طروحات الرئيس الأميركي باراك أوباما، ومطالبه بتجميد الاستيطان والدخول في مفاوضات سلام غير مشروطة- على اساس قرارات الشرعية الدولية التي تدعو للانسحاب من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ مقابل تحقيق السلام الشامل والدائم والعادل في المنطقة.
وبدلا من استئناف العملية السلمية المتوقفة فعليا منذ نحو عشر سنوات، فإن حكومة نتنياهو واصلت التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية بما فيها القدس، وصادرت البيوت العربية في المدينة المقدسة وهي تقدم بشكل روتيني على هدم العشرات من منازل المواطنين المقدسيين. ولا تنجو البيوت الفلسطينية في الضفة الغربية من الهدم علما بأنها من الناحية النظرية تدخل في نطاق السيطرة المدنية وربما الأمنية للسلطة الفلسطينية- مما يؤكد أن السلطات الاسرائيلية تسعى إلى تخليد الاحتلال، وليست لديها أي تصورات جدية للانسحاب من الأراضي المحتلة في إطار اتفاقية سلام. وليس هذا الانسحاب واردا في مخططاتها حتى على الأمد البعيد.
والغريب بالفعل هو أن السلطات الاسرائيلية لا تبالي بإثارة غضب مليار ونصف المليار من المسلمين، بل إنها من خلال محاولات اقتحام الحرم القدسي الشريف إنما تقصد قصدا إلى استفزاز المشاعر ليس الفلسطينية والعربية فقط، وإنما لدى المسلمين في جميع أنحاء العالم أيضا، مع ما في هذا السلوك المتهور من مخاطر على الأمن والسلم الدوليين. واذا كانت تظن أو تتوهم أن العالم العربي والإسلامي خامد أو هامد لا حراك فيه، فإن الاحتجاجات واسعة النطاق التي شهدتها أقطار اسلامية مثل تركيا وأفغانستان وعدد من الدول العربية تؤكد أن الجمر ما يزال تحت الرماد، ولا يستطيع أحد التكهن بمستقبل التطورات واتجاهاتها المقبلة في هذه المنطقة غير المستقرة من العالم.
والواقع أن التحول نحو اليمين في اسرائيل ليس له ما يبرره: فقد توجه الفلسطينيون والعرب نحو السلام كخيار استراتيجي، وما حدث أو يحدث من أعمال العنف سببه الى حد كبير أن الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة هي التي رفضت عن سابق تصميم تنفيذ استحقاقات السلام منذ اعلان أوسلو وحتى يومنا هذا. فحكومة نتنياهو الأولى هي التي رفضت تنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من إعادة الانتشار في الضفة الغربية خلال السنوات الأخيرة من التسعينات. بل إن حكومة ايهود باراك التي أعقبت حكومة نتنياهو مباشرة لم تستطع تسليم السيطرة الأمنية في العيزرية وابو ديس للسلطة الفلسطينية، رغم أنها أعلنت عن قرار بهذا الخصوص في حينه.
اليمين المتطرف هو الذي قاد التحرك الاسرائيلي المضاد للسلام واستطاع كسب تأييد الأغلبية في الشارع الاسرائيلي، لأن هذه الأغلبية لم تكن أصلا ضمن ما يسمى بمعسكر السلام. ومثل هذا المعسكر ثبت عمليا أنه لا يعبر الا عن موقف أقلية ضئيلة ومنكمشة باستمرار من الاسرائيليين. وقد فضل معظمهم التراجع عن مواقفه والانضمام إلى اليمين خدمة لمصالحه، وبسبب عدم ايمانه بعملية السلام بشكل راسخ وثابت.
والآن فإن اليمين الحاكم والجمهور الاسرائيلي المؤيد له يقفون موقف التحدي السافر لإرادة المجتمع الدولي. وليس أدل على ذلك من أن الخطاب الرسمي والاعلامي والعام في اسرائيل يواصل الادعاء بأن ما ورد في تقرير غولدستون حول جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الاسرائيلي في غزة متحيز، وأن من حق هذا الجيش ارتكاب مثل هذه الممارسات لأنه ليس أقل شأنا من الدول الاستعمارية والمستبدة التي ترتكب مثل هذه الانتهاكات. وهم بالفعل يدافعون عن حق الدول "الديموقراطية" في انتهاك حقوق الانسان، لمجرد أنها تصف نفسها بالديموقراطية.
هذه التوجهات المتطرفة ستضع المنطقة لا محالة على فوهة بركان أو برميل من البارود. والسؤال هو من الذي سيستفيد من إبعاد كل فرص السلام العادل وتقريب المنطقة من التوترات والمواجهات؟ إن على العالم أن يتحرك بقوة لوضع حد لهذه المسيرة المتهورة قبل آن تهوي المنطقة في هوة لا قرار لها بسبب هذا التطرف غير المتبصر، والذي ستصيب عواقبه الوخيمة الجميع دون أي استثناء.
القدس




















