خطاب الوزيرة كلينتون، خلال زيارتها إلى المنطقة؛ حمل رسالة صريحة من شقيّن: أن موضوع «عملية السلام» ومستلزماتها، ما عاد أولوية لدى إدارة أوباما. ثانياً، أن هذه الأخيرة رجعت إلى عادة واشنطن القديمة ومفردات قاموسها المألوف؛ ليس فقط في احتضان مواقف إسرائيل، بل أيضاً في العمل على تسويقها. طروحاتها ووعودها، بشأن وقف الاستيطان وحلّ الدولتين، التي أطلقها وكررها الرئيس أوباما في أكثر من مناسبة ولقاء وتصريح وخطاب؛ تنكرت لها وتنصّلت منها.
انقلاب حاد وسريع على كل ما تعهدت به. نفضت يدها من عقدة الاستيطان ومن المفاوضات الهادفة إلى إقامة الدولة الفلسطينية. إصرارها، في هذا الخصوص؛ انتهى إلى انكفاء. انزعاجها وتذمرها المزعومان، من تعنت حكومة نتنياهو، انقلبا بقدرة قادر؛ إلى تفهم وبالتالي إلى تبرّع بالترويج ل«مكارم» رئيسها! تقول الوزيرة إنها فشلت في إقناع رئيس الحكومة الإسرائيلية. وكأنه هو القوة العظمى، أو أنه هو صاحب الفضل والمونة على واشنطن.
وفجأة، تقفز الإدارة من خندق إلى نقيضه؛ لتقول بأن التفاوض «لا ينبغي أن تسبقه شروط». وكأن ذاكرة الناس باتت معدومة، بحيث نسوا ما ردّدته هي والرئيس والمبعوث الخاص، مراراً وتكراراً ومنذ مجيء هذه الإدارة؛ حول وجوب وقف الاستيطان كمدخل إلى الطاولة! وبذلك لم يعد لديها ما تقوله للفلسطينيين، سوى تقديم نصيحة بأن «الحصول على نصف رغيف أفضل من لا شيء». درس في البراغماتية العوجاء والمهينة. صار وعد نتنياهو بأن «يلجم» حركة الاستيطان ويمتنع عن مصادرة المزيد من الأرض لبناء وحدات سكنية جديدة؛ بمثابة «تنازل غير مسبوق».
لولا الإحراج، ربما كانت الوزيرة قد رشّحته لجائزة نوبل، على هذا التكرّم؛ الذي لا يختلف عن وعد الذئب بأن لا يعتدي على الغنم. صار مطلب الفلسطينيين بوقف الاستيطان «ذريعة وعقبة»، حسب المراوغ نتنياهو. الوزيرة الواقفة إلى جانبه في المؤتمر الصحفي، تتبنى هذا الكلام عندما تدعو إلى شطب هذا المطلب. وإذا رفض الجانب الفلسطيني، فإن واشنطن «لا يسعها أن تريد الحلّ أكثر من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، المعنيين به». عذر أميركي قديم، أقبح من ذنب. وكأن هناك في الدنيا من لا يدرك أنه لو أرادت واشنطن التسوية، لكانت.
واضح أن إدارة الرئيس أوباما رضخت لإملاءات حكومة نتنياهو. بالأحرى، اختارت أن تنصاع لها. إسرائيل حرّكت مروحة ماكينتها في واشنطن، لتأليب الكونغرس ضده، لحمله على الكف عن مطالبة إسرائيل بوقف الاستيطان، وهكذا كان. من البداية ترك البيت الأبيض زمام المبادرة لنتنياهو، والآن يحصد العودة إلى نفس موقع أسلافه. فهل يعود الفلسطينيون في المقابل، إلى وحدتهم الوطنية؟




















