أمام أمير الكويت، المعروف بحكمته وحنكته وخبرته الطويلة، خيارات قليلة، أحلاها مر، لمعالجة الازمة السياسية الداخلية الناجمة عن الخلاف بين مجلس الأمة والحكومة، في مقدمها حل مجلس الأمة والدعوة الى انتخابات جديدة او تعليق العمل بالدستور وتجميد الحياة البرلمانية لفترة محددة.
وفي حين ينذر الاحتمال الاول بإبقاء المشكلة مفتوحة، ذلك ان الانتخابات المبكرة ستعيد انتاج برلمان مشابه للبرلمان الحالي وتطرح مجددا مشكلة التعايش مع الحكومة، فإن الحل الثاني سيمثل تراجعا عن النظام الذي اختارته الكويت منذ عقود لكنه لم يفلح في رسم خط مستقر وثابت لتطور الحياة السياسية، وهنا يكمن الخلل الفعلي.
لكن المشكلة ليست خاصة بالكويت، بل هي بمعنى ما عربية عامة، وتتلخص في الجمع بين تركيبات اجتماعية جامدة او بطيئة التغيير وتدافع بقوة عن نفسها وقيمها وبين مفاهيم وهيئات سياسية دولتية تتناقض معها او تسبقها بأشواط. وليس في عالمنا العربي، من بين الانظمة التي اختارت طوعاً او قسراً التحول الى جمهوريات، نموذج واحد نجح في اقامة تعايش فاعل بين الواقعين، بل ان بعض الانظمة المتوالد من انقلابات عسكرية حوّل برلماناته الى مجرد «واجهات» ديموقراطية وظيفتها التصفيق للحاكم وإقرار سياساته. وفي المقلب الآخر هناك دول ادركت المشكلة سلفا فآثرت التدرج في التطوير بانتظار ان تنضج مجتمعاتها بما يكفي.
كانت الكويت نموذجا فريدا بين الحالين. فمجتمعها قبلي ونظامها اميري، لكنها قبلت، بريادة ميّزتها عن محيطها، التجربة البرلمانية المستوحاة من الديموقراطيات الغربية، على أمل التوصل يوما الى صيغة متناغمة. ولم تخل التجربة من مشكلات منذ بدايتها، ذلك ان تطوير الهيئات الدستورية يعني في النهاية تفتيت العصبيات القبلية والعائلية وإحلال الانتماء الى مفهوم الدولة الاوسع مكانها. لكن تطورين أديا الى زيادة الثغرات التي اعترتها، وهما الثورة الايرانية والغزو العراقي. اذ ساهمت الاولى في ايقاظ النعرات المذهبية، وافرز الثاني ظهور تيار سلفي شارك في مقاومة الاحتلال ويعتبر ان الليبيرالية المحدودة التي عاشتها البلاد لعبت دورا في اضعافها امام الجار التوسعي.
وبعد التحرير، اثبت التيار السلفي قوته في الانتخابات البرلمانية وباشر معركة تحويل مجلس الأمة الى «منصة» لتثبيت مكاسبه، وهكذا بدأت المواجهات مع الحكومة ومع التيار الليبرالي الذي ضعف كثيرا نتيجة التحول الكبير في الرأي العام الكويتي الذي بات يرفض شعارات الانفتاح (القومية وسواها)، واستطاع تعطيل توجهات انفتاحية، مثل منح المرأة حق التصويت، ومساءلات للوزراء اضطرت بعضهم الى الاستقالة، وانتقاد المصالحات مع انظمة اتهمت بأنها ايدت الغزو.
قد يكون طبيعيا في أي برلمان ان تسعى القوى السياسية المختلفة، لا سيما المتمتعة بدعم شعبي واسع، الى مد نفوذها وفرض رؤيتها للأمور عبر استخدام الادوات الدستورية المتاحة، لكنها في الكويت تصطدم بخطوط لا يمكن من وجهة نظر الحكم السماح بتجاوزها لأن ذلك يهدد طبيعته نفسها، ويلغي الحدود المرسومة بدقة بين الصلاحيات، ومن هنا يمكن فهم الدفاع الصلب للامير عن رئيس وزرائه واصراره على اعادة تعيينه في منصبه بعد استقالته مرتين وحل مجلس الأمة مرتين، اذ تمثل رئاسة الوزراء الموقع ما قبل الأخير في الدفاع عن نظام التعايش القائم.




















