في كل أرجاء الدنيا كلمة الرئيس تعني رئيس البلاد. فإذا قال أحدهم: قرر الرئيس أو سافر الرئيس أو أصدر الرئيس… الخ فإن المقصود يكون رئيس البلاد لا سواه. للمواقع الأخرى مسميات أخرى، وفي الدول التي تستحق صفتها ولدى الشعوب التي هي حقاً شعوب يوافق الإسم المسمى، أما عندنا، وأعني في لبنان، فليس من الضروري أبداً أن تدلّ الأسماء على مسمياتها، ولا يغرّنك إذا سمعت أحدهم يخطب ويهدد ويرعد ضد الطائفية (مثلاً)، فهذا لا يعني بتاتاً أنه يعني ما يقول، وفي أغلب الظنّ أنه يعني ما لا يقول أو يعني عكس ما يقول، والأصح أن نصدّق السياسيين في حالة واحدة وهي الصمت، واستدرك فوراً بالقول حتى صمتهم مريب ويُضمر ما يضمر من نيات هي ليست، بالتأكيد، من تلك التي تصلح لتبليط جهنم.
في لبنان إذا سمعت أحدهم يقول «قال الرئيس» عليك بالتدقيق فوراً في خلفية هذا الـ «أحدهم»، لأن مصطلحات ومفردات التداول الشفوي لا تعني بتاتاً ما تعنيه المصطلحات والمفردات نفسها في التداول الرسمي أو الصحافي أو سواها، إذ لكل «شعب» من «الشعوب اللبنانية»، أو لكل قبيلة من «القبائل الطائفية» قاموسها المختلف جذرياً عن قاموس القبيلة الأخرى، والمعادية في ما هو مضمر من نيات. واختلاف القاموس يطاول مصطلحات ومفردات كثيرة على رأسها صفة الرئيس…!
طبعاً في لبنان وحده تم اختراع الجملة الشهيرة «الرؤساء الثلاثة» اشارة «الى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء ورئيس مجلس النواب في زمن «الترويكا» التي ضمت هؤلاء، لكن كلمة رئيس في المتداول الشفوي اللبناني قد لا تعني أحياناً أياً من هؤلاء أو واحداً منهم فقط لا غير…!
الصفة تتبع الموصوف. هكذا درسنا في المدرسة. لكن «المدرسة اللبنانية» تعلمك أموراً أخرى كثيرة لن تجدها في أي كتاب سوى في «الكتاب اللبناني» الذي يسطره كلٌ على ليلاه، والأمثلة كثيرة. إذا قال أحد أنصار الحزب التقدمي الاشتراكي «قال الرئيس» فإنه حكماً يقصد رئيس الحزب وليد جنبلاط، أما إذا قالها عضو في حركة «أمل» فأفهم فوراً ان المقصود الرئيس نبيه بري، وفي لغة «المستقبل» فإن الرئيس هو رئيس التيار الشيخ سعد الحريري، وعند الكتائب هو أمين الجميل (جَمَع المجدين، رئاسة الجمهورية ورئاسة الحزب)، وفي مفهوم التيار الوطني الحر ثمة رئيس واحد هو الجنرال ميشال عون، ويمكن القياس على هذا المنوال حتى أصغر حزب من تلك «الأحزاب المضافة» التي لا يضم الواحد منها سوى رئيسه ومرافقه، والثاني مجبر على مخاطبة الأول بصفة: الرئيس…
ليست المسألة كاريكاتورية، وليتها كذلك وحسب، بل انها تعكس المضمر الحقيقي لدى «الشعوب اللبنانية» والتي يكمن جزء كبير من أزماتها المتلاحقة وحروبها المتناسلة في كونها لم تصبح شعباً واحداً، ولن تفعل، ما دامت لا تتفق على مسمى واحد ليس لـ «الرئيس» وحسب بل لكثير من المصطلحات والمفاهيم التي تبدو لغوية أو شكلية لكنها واقع الحال تعكس بعضاً مما هو مستتر وكامن في وعيّ كل «شعب» من هذه الشعوب…
قلّة قليلة هي التي تقصد «رئيس البلاد» حين تستخدم مفردة «الرئيس» من دون الحاقها بالإسم، ولن تصير البلاد بلاداً واحدة في يوم من الأيام إلا إذا كثرت هذه القلّة واتسعت واخترقت جدران الطوائف والمذاهب والفئات والمناطق وصارت كثرة تؤمن بأن البلد الواحد كالجسد الواحد لا ينمو ولا يعيش إلا برأس أو رئيس واحد يدعى: رئيس البلاد.
"الحياة"




















