رفض الرئيس الفلسطيني محمود عباس، العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل لم يفاجئ أحداً. لكن ثمة في هذا الرفض فرصة كبيرة لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. ذلك أنه بدل تضييع الوقت على محادثات عقيمة حول التسوية الدائمة، يستطيع نتنياهو المبادرة إلى خطة أحادية الجانب في الضفة الغربية، ترمي إلى تخفيف حدة النزاع، تعزيز االسلطة الفلسطينية وتخفيف العزلة الدولية عن إسرائيل. فالعالم لن يكتفي بتجميد البناء الجديد في المستوطنات لعشرة أشهر، وفق ما أعلن نتنياهو. العالم يريد المزيد. وينبغي على نتنياهو إيجاد صيغة ترضي العالم من دون أن تتسبب بشرخ داخلي عميق في المجتمع الإسرائيلي.
رئيس الحكومة عالق الآن في وضع سبق أن علق فيه سلفاه، اسحاق رابين في صيف 1993 وأرييل شارون في خريف 2003. كلاهما علق من جون عملية سياسية، مقابل طلب أميركي بالتقدم وعدم رضى داخلي متزايد. كلاهما بحث عن مخرج، يكون ثمنه السياسي والجغرافي محمولاً: الحد الأدنى من الأرض مقابل الحد الأقصى من التأييد. كلاهما اختار الخطوات الانتقالية: رابين اختار اتفاق أوسلو، وشارون اختار فك الارتباط عن غزة. كلاهما تنكر للمواقف التي عرضها قبل الانتخابات.
أوسلو وفك الارتباط لم يؤديا إلى حل النزاع. لكن رابين وشارون تمتعا بتأييد دولي وداخلي، قادا جدول الأعمال وقطفا إنجازات "في الطريق"، مثل السلام مع الأردن والتأييد الأميركي. كلاهما وجد صعوبة في اتخاذ القرار، لكن من اللحظة التي اتخذا فيها القرار، دافعا بحماسة عن مواقفهما الجديدة. نهايتهما المأساوية ـ اغتيال رابين، وغيبوبة شارون ـ أدت فقط إلى تزايد أهمية" الإرث" الذي تبنياه في نهاية حياتهما.
يعيش نتنياهو ترددا مماثلا. في العالم لا يصدقوه، ويصفونه بأنه متصلب ورافض. أوباما يتنكر له. الجمهور الإسرائيلي يؤيد نتنياهو، لكن لا أحد يعرف حتى متى. قرار التجميد اوجد شرخاً مع المستوطنين، من دون أن يقود إلى استئناف المفاوضات مع عباس، أو وقوع أوباما في غرام مفاجئ برئيس الحكومة. الانتقادات الموجهة إلى تردد نتنياهو باتت رائجة، وبعد قليل سيقدمونه كخرقة بالية خضع للأميركيين ولم يحقق شيئا. لم يأت بالسلام، ولا بالأمن، ولا بالعقوبات على إيران. نتنياهو بحاجة إلى مخرج.
رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، اقترح على نتنياهو علاجا من الرف: خُذ اقتراح السلام الذي سلمته إلى أبو مازن في أيلول 2008، واطلب من الأميركيين أن يأتوا من أبو مازن بجواب مسؤول ومُعتمد.
ثمة عناصر ثلاثة في اقتراح أولمرت: انسحاب شبه تام من الضفة، حتى حدود الجدار الفاصل تقريبا، مع تعديلات طفيفة وتبادل لأراض؛ تدويل " الحوض المقدس" في القدس؛ واستيعاب رمزي لبضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين في إسرائيل.
علاقات نتنياهو ـ أولمرت جيدة، لكن رئيس الحكومة لا يتبنى خطط سلفه كأساس للمحادثات. بحسب كلام نتنياهو، لم يعرض أولمرت أمامه بشكل تفصيلي الاقتراح الذي سلمه إلى أبي مازن. نتنياهو يفضل الضبابية على التعاطف المُرمز مع اقتراح يدعو إلى إخلاء المستوطنات الواقعة خلف الجدار.
المبعوث الأميركي جورج ميتشل، يطرح فكرة بديلة. ميتشل يريد العودة إلى محاثات التسوية الدائمة في كل "قضايا اللباب"ـ الحدود، اللاجئين، والقدس ـ لكنه يفضل التركيز على بلورة الحدود بين إسرائيل وفلسطين المستقبلية. في رده على إعلان تجميد البناء في المستوطنات، قال ميتشل إن تحديد الحدود سيحل مشكلة المستوطنات. الإسرائيليون يستطيعون البناء في جانبهم كما يحلو لهم، والفلسطينيون سيبنون في جانبهم. نتنياهو يعارض هذه الفكرة، ومثل عباس، يفضل حل كل المشاكل معا وأن لا يترك للمستقبل ألغاما مثل القدس، اللاجئين، الدولة اليهودية ونهاية النزاع.
في هذه الأثناء يكتفي الأميركيون بـ " ضبابية إيجابية". فوزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، أعلنت الاسبوع الماضي أنه يتعين السعي إلى دولة فلسطينية " تستند إلى خطوط 1967 مع تبادل للأراضي متفق عليه"، وأن تُمنح إسرائيل أيضا "حدود آمنة ومعترف بها تعكس التطورات وتستجيب لمطالب إسرائيل الأمنية". ترجمة العملية لهذا الإعلان: هي لا تقول شيئا ولا تعرض موقفا.
المشكلة في خطط التسوية الدائمة تكمن في أنها غير عملية. من الصعب التوصل إلى اتفاق على القضايا التي تمس الهوية القومية للطرفين، ومن الأصعب تنفيذها. وإليكم ثلاثة أسباب لذلك: الانقسام بين حركتي فتح وحماس، حكومة اليمين في إسرائيل وضعف أوباما. حتى لو كان الزعماء أكثر قوة، من الصعب تصور وقع تقوم فيه إسرائيل بإخلاء مئات آلاف المستوطنين، وينسى فيه الفلسطينيون مشكلة عودة اللاجئين.
ماذا إذا لم يتم التوصل إلى تسوية دائمة؟ لقد أوضح عباس أن الفلسطينيين لن يوقعوا على تسوية انتقالية غضافية، وأنه بالنسبة إليهم الاحتلال الكامل أفضل من السلام الجزئي. هذا يعني أن كل خطوة انتقالية في الضفة الغربية ستكون بالضرورة أحادية الجانب، حتى وإن كانت منسقة: خطوة إسرائيلية مقابل خطوة فلسطينية. إخلاء أراض ومستوطنات، مقابل التقدم في بناء الدولة الفلسطينية بحسب خطة رئيس الحكومة الفلسيطينية سلام فياض وتحت إشراف أميركي. الفلسطينيون سيتمتعون بمزيد من الأراضي المتصلة ببعضها، من دون مستوطنين وحواجز، وسيتلقون التشجيع للتطوير الاقتصادي. إسرائيل ستحصل على هدوء سياسي، من دون أن تضطر إلى التصدي للمشاكل الموجعة.
يعارض نتنياهو الخطوات الأحادية الجانب ويعتقد بمبدأ التبادلية " إذا أعطوا أخذوا". فهو استقال من حكومة شارون عشية فك الارتباط، ومنذ تلك الفترة كرر القول إن مستقبل الأراضي في الضفة لن يتحدد إلا في المفاوضات على التسوية الدائمة. لكن إذا دُفع نحو خطوة أحادية الجانب جديدة، مثل شارون، كيف سيرد على الادعاءات بأنه يتصرف بطريقة ملتوية؟ يستطيع نتنياهو أن يدعي انه سيتصرف بمسؤولية، خلافا لشارون، الذي تنازل عن كل الأرض، أخلى الجيش الإسرائيلي وترك الحدود بين غزة ومصر مكشوفة أمام عمليات التهريب. فالجيش سيبقى في مواقع اساسية وسيواصل السيطرة على الحدود بين الضفة والأردن. الانسحاب لن يكون أحادي الجانب بصورة كلية. فإسرائيل ستسلم الأرض إلى الجنرال الأميركي دايتون، وهو سيسلمها إلى الفلسطينيين وسيتأكد من أنهم يحرصون على الأمن. التجربة في غزة تدل على أن الفلسطينيين يتحدثون ضد الانسحاب الأحادي الجانب، لكنهم يتعاونون ولا يعيقون الانسحاب الإسرائيلي.
هذا الاسبوع نشر عدد من الباحثين في مركز بحوث الأمن القومي، سلسلة من المسارات والخطط المحتملة للتسوية الانتقالية في الضفة، وما على نتنياهو سوى أن يختار واحدة منها. لكن نتنياهو ليس مستعدا بعد. هذا الاسبوع سيحاول تهدئة المستوطنين، بعد أن وجه إليهم ضربة التجميد، وسيطلب من وزير الدفاع إيهود باراك، التعامل معهم بمزيد من الحساسية وبقليل من الحزم. المستوطنون يخوضون معركة ضد التجميد، وذلك بغية ردع الحكومة أيضا عن التفكير بإخلاء إضافي. فهم يدركون على ما يبدو بأن رفض أبو مازن يُقرب نتنياهو من اتخاذ قرار حول القيام بخطوة انتقالية في الضفة الغربية.
("هآرتس" 4/12/2009)
ترجمة: عباس اسماعيل
"المستقبل"




















