لتقدير مدى تعقيد المسائل المطروحة أمام قمة كوبنهاغن التي تبدأ اليوم، يكفي التذكير أن العالِم الأبرز في كشف مخاطر التغير المناخي، جيمس هانسن، يأمل انهيارها.
وهانسن العامل منذ عشرين عاماً على تنبيه سياسيي بلاده والمنظمات الدولية الى جسامة زيادة درجات الحرارة على كوكب الأرض، يخشى – بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية – خروج مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي، بتسوية تصب في سياق «تسليع» انبعاثات غاز ثاني أوكسيد الكربون وعرضها في بورصة يشتري فيها من يريد الاستمرار في التلويث حصص من لا يلوث. بكلمات أخرى، تتيح السوق، إذا أنشئت، للدول الغنية متابعة ضخها لملايين الاطنان من الغازات الضارة بعد دفع تعويضات الى الدول الفقيرة، ما ينقل العولمة القائمة على الاستغلال المفرط لثروات الأرض الى طور جديد، يُكرس بل يضخم الفارق الشاسع بين مَن يملك ومَن لا يملك، ويجعله غير قابل للتجاوز.
ويأتي «المُلوِّثون الأربعة الكبار» (الولايات المتحدة والصين والهند والاتحاد الأوروبي) إلى القمة حاملين وعوداً بخفض ما يبثون من غازات سامة بنسب تتراوح بين العشرين والثلاثين في المئة في الأعوام العشرين المقبلة (مع اعتبار معدلات عام 2005 نسبة مرجعية)، وهو الحد الأدنى الذي يقول العلماء أنه لا مفر من الالتزام به إذا أرادت البشرية تجنب ارتفاع درجة حرارة الأرض ما يزيد عن درجتين مئويتين والبقاء ضمن هامش معقول من السلامة البيئية، في حين يعني الانتقال إلى ثلاث درجات انطلاق دوامة لا ِقبَل للعالم بإيقافها ولا بتحمل تبعاتها الكارثية التي لن تقل عن تغيير صورة الأرض كما نعرفها اليوم، نحو الأسوأ. صعود البحار واجتياحها لمساحات واسعة من اليابسة ليس أقلها شأناً.
في سياق متصل، ثمة جانب لا يلقى الكثير من العناية في فيض الكتابات والمعلومات المحذرة من تدمير البيئة وتغير المناخ. فالميل الطاغي لدى وسائل الإعلام الجماهيري يُختصر في التركيز، عادة، على الأبعاد الدرامية الآنية. السيول وانهيارات الجبال الجليدية والصور الرهيبة للدخان الأسود المتصاعد من المصانع ومحطات توليد الطاقة، تُغيِّب زوايا المعاناة التي سيتعرض لها ملايين البشر، ليس من المشكلات البيئية وحدها، بل خصوصاً من انقلابها الى قضية وحيدة ومشكلة المشاكل التي ينبغي تناسي كل ما تخلقه من تأثيرات على سكان العالم.
وعلى غرار تطورات كبرى مرت البشرية بها في القرون القليلة الماضية، كالثورة الصناعية وانتصار الرأسمالية والعولمة، يُخشى أن تكون الفئات الأكثر هشاشة وفقرا في البلدان الصناعية والدول النامية سواء بسواء، هي من يدفع ثمن مكافحة التغير المناخي. وليست فكرة «بورصة الكربون» المذكورة سوى ملمح أول لما يمكن ان تتفتق عنه مخيلة لا يعرف أصحابها هدفاً لهم في الحياة سوى تحقيق الأرباح بأسرع الأساليب، بغض النظر عن أخلاقياتها أو أثمانها الإنسانية الفادحة.
يضاف الى ذلك أن السلوك الساعي إلى التربح بأي وسيلة كانت، ما زال يمسك بزمام الاقتصاد العالمي على رغم الضربات التي تلقاها في الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة.
ولئن كانت التجارب السابقة لا تُشجع على التفاؤل في سير المعالجات المقترحة للمشكلات البيئية المتفاقمة، في مسارات تختلف عن تلك التي أفضت إلى النكبات المشهودة، فإن الأمل يبقى معقوداً على تضافر نشاط هيئات المجتمع المدني والحكومات التي يتحسن إدراكها للمجازفات التي ينطوي عليها النهج الحالي.
"الحياة"




















