وليد شقير
تثبت الاستنابات القضائية السورية في حق عدد من السياسيين اللبنانيين والرموز الإعلامية والرسمية والقضائية والأمنية اللبنانية قبل توجه رئيس الحكومة سعد رفيق الحريري الى دمشق لبدء رحلة تطبيع العلاقة معها (يتوقع أن تتم زيارته قبل نهاية الشهر الجاري) ان هذه الرحلة ستكون شاقة مملوءة بالمطبات والصعوبات والعقبات والتناقضات الكثيرة التي تحبل بها العلاقة اللبنانية – السورية، نتيجة تراكمات عقود كانت ذروتها خصومة السنوات الخمس الماضية، مع ما تخللها من قهر من جانب دمشق ومغالاة من جانب خصومها اللبنانيين.
وإذا كان فريق الأكثرية الذي يتزعمه الحريري استوعب الحاجة الى الانفتاح على دمشق وتطبيع العلاقة معها في المرحلة المقبلة نتيجة تبدلات في الظروف الدولية والإقليمية ونتيجة الحاجة الى تفكيك حال العداء والخصومة معها من أجل حد أدنى من الاستقرار الداخلي يواكب التغييرات الخارجية، بما فيها التغيير في سلوك دمشق نفسها في المشهد الإقليمي، فإن الأخيرة لها قراءتها لهذا الانفتاح عليها، لأنها تعتبر أنها المنتصرة وأن الآخرين يأتون إليها مهزومين.
وعلى رغم أن أطراف الأكثرية، أو حلفاء الحريري، عبّر كل منهم على طريقته عن دعمه أو تفهمه لزيارته المرتقبة للعاصمة السورية ولفتح مرحلة جديدة في العلاقة، فإن ما أجمع عليه هؤلاء، وسط التباين في قراءة التحولات، هو أن التقارب السعودي – السوري هو معطى جديد يجعل من زيارة الحريري خطوة طبيعية، في ظل انخراط أميركي في الحوار مع سورية، وأن تطبيع العلاقة ينطلق مما هو مطلوب لتكريس السيادة اللبنانية عبر السعي بالحوار الى تطبيق قرارات الحوار الوطني في شأن إزالة المراكز الفلسطينية المسلحة خارج المخيمات وضبط السلاح داخلها وترسيم الحدود وحل قضية المفقودين اللبنانيين في سورية، ويستند الى ما تحقق من نتائج «ثورة الأرز»، أي انسحاب سورية من لبنان عام 2005 وإقامة العلاقات الديبلوماسية، وقيام المحكمة الدولية.
وجمعت هذه التبريرات في دعم خطوة الحريري بين المتمسكين بـ «ثورة الأرز» ومنهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع وبين الخارج من الأكثرية (والباقي فيها) تحت عنوان حماية الطائفة الدرزية رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط على رغم الاختلافات بينهما.
وسعى الأكثريون الى التماسك بهذا القدر أو ذاك وراء الحريري في وقت لا تبدو دمشق مستعدة للاعتراف بالتحالف الذي يستند إليه زعيم تيار «المستقبل». فهي تريده وحده في رحابها. وهي لا تعترف بالمرحلة السابقة وما أنتجته.
من الطبيعي في هذه الحال أن تعتبر رموز الأكثرية ان الاستنابات القضائية إشارة من سورية الى عدم اعترافها بالمرحلة السابقة. فهي رسالة بنظرهم الى أن مجيء الحريري إليها لبدء مرحلة تطبيع العلاقة وفتح صفحة جديدة، يعني أن طي الصفحة القديمة يجب أن يترافق مع إبعادهم، أو معاقبتهم. وذكّر ذلك بالمرحلة التي أحكمت فيها الإدارة السورية التفصيلية للشأن اللبناني، بعد انتخاب الرئيس السابق إميل لحود عام 1998، حين طلب من الرئيس الراحل رفيق الحريري إبعاد من يجب من المقربين، وحين أُبعد بعضهم قسراً وظلماً بشتى أساليب القهر عن طريق الضغوط عبر ضباط الأمن اللبنانيين وجزء من القضاء كان مطواعاً، وحين تم الإمساك بمعظم وسائل الإعلام لمصلحة العهد آنذاك.
وتلك المرحلة جعلت الكثيرين يقفزون الى الاستنتاج أن الجانب السوري لم يغيّر طريقة تعاطيه مع لبنان على رغم التغييرات التي حصلت، لأنه ليس صدفة أن تستهدف الاستنابات القضائية قضاة وضباطاً أمنيين وسياسيين ومقربين من الحريري الابن بينهم إعلاميون.
ومع أن التفسير الذي أعطي للاستنابات، حين اتصل أصدقاء دمشق بها ناصحين بسحبها لأنها تؤثر في أجواء التقارب الذي أخذوا يعوِّلون عليه، هو أن الخطوة القضائية السورية منفصلة عن التقارب السياسي ولا علاقة لها به، بموازاة قول الحريري والأكثرية بأن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان منفصلة عن العلاقة «الأخوية» مع دمشق، فإن الأخيرة لم تكترث لقلق حلفائها على تأثير الاستنابات على التقارب بين الفرقاء اللبنانيين.
والأرجح أنها لم تكترث أيضاً لقلق عواصم ترعى استعادة العلاقة بين بيروت ودمشق مثل باريس والرياض وأنقرة. فهل إن هدفها استقبال الحريري ليقتصر البحث معه على موضوع الاستنابات وسحبها، مقابل «سحبه» البحث في مطالبه منها، لجهة ترسيم الحدود وإزالة الوجود الفلسطيني المسلح الحليف لها خارج المخيمات ومعالجة قضية المفقودين، كي تأتي الزيارة من أجل تحقيق المصافحة مع الزعيم السني لا مع رئيس حكومة لبنان؟
قد لا تكون سورية غيّرت أسلوبها في لبنان. لكن الحريري الابن يأتي في ظروف مغايرة لظروف تبوؤ الحريري الأب سدة المسؤولية ومختلفة عن معطيات الدور السوري السابق في لبنان.




















