وسام سعادة
تكشف المداخلات النيابيّة التي ألقيت أثناء مناقشة البيان الوزاريّ عن دوام الحاجة إلى تفسير البند السادس منه. فهذا البند بعيد كل البعد عن أن يتضمّن تفسيراً لنفسه. فمن يتحفّظ عليه يفعل ذلك نظراً لعدم وضوح شكل إتساقه مع فقرات أخرى من البيان الوزاريّ، من مثل تلك التي تنصّ على "وحدة الدولة وسلطتها ومرجعيتها الحصرية في كل القضايا المتصلة بالمصلحة العامة للبلاد"، وتلك تخريجة تختلف نوعياً عن "حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته". كذلك الأمر، فمن يدافع عن الصيغة الأخيرة التي تشرّع، ليسَ المقاومة بالمطلق، ولكن "لبنان.. بمقاومته"، إنّما يدافع عن الحريّة التأويليّة التي يتيحها التباس النصّ، ولو أنّه وضع نفسه ناظراً على هذه الحريّة التأويليّة، فأباحها لنفسه وحظّرها على غيره. في الحالتين إذاً ثمّة إجماع وطنيّ على النظر إلى البند السادس من البيان الوزاريّ على أنّه حمّال أوجه، ومختلف عن فقرات أخرى من البيان، بل أنّ الاختلاف قائم فيه بين القول بـ"حق لبنان.. بمقاومته" وبين الإلتزام بالقرار 1701 بمندرجاته كلّها، ومعلوم أنّ هذا الإجماع على كون البند السادس حمّال أوجه ينطلق من انقسام لبنانيّ لدى القراءة. فمنّا من يعطي الأولويّة لـ"حق لبنان.. بمقاومته" ومنّا من يعطي الأولويّة لالتزام "القرار 1701 بمندرجاته كلّها"، وليس هناك من في مستطاعه القول أنّه ينتسب إلى الأولويتين بنفس الدرجة والقناعة والحماسة.
إذاً فالبند السادس من البيان الوزاريّ له وظيفة محدّدة تماماً: إنّه ينظم شكل العلاقة بين السلطة التنفيذية من جهة، وبين الإطار التداوليّ الذي تشكّله طاولة الحوار من جهة ثانية، وينبغي من الآن فصاعداً تعميم هذا التحديد الوظيفيّ للبند السادس ضبطاً للحريّة التأويليّة التي يمكن أن يغالي فيها البعض فيما هم يحجبونها عن غيرهم، وإباحة في الوقت نفسه لهذه الحريّة التأويليّة للبند السادس لجميع اللبنانيين، ما داموا يقرّون به كصياغة أوليّة لمشروع تسوية داخلية حول مسألة "السلاح"، وليس أبداً كإغلاق لباب الإجتهاد حيال هذه المسألة.
هذا مع التنبه إلى أنّ البند السادس لا يذكر لا "حزب الله" ولا "المقاومة الإسلاميّة" بالإسم، ولا يتكلّم عن "حق المقاومة" بالمطلق، ولا عن "المقاومة بالمطلق"، بل عن المقاومة بالنسبة إلى لبنان، وكثالثة ثلاثة بعد الشعب والجيش، بما يفهم من ذلك أنها منبثقة من حراك شعب، وأنه ينبغي أن تضبط حركتها وفقاً لمصلحة جيش، أقلّه على الصعيد النظريّ.
أمّا القرار 1701 فالبند السادس يذكره بالإسم. علماً أنّ هذا القرار، وبخلاف البيان الوزاري، يتكّفل هو بذكر "حزب الله" بالإسم، في الفقرة الأولى منه حيث يقول مجلس الأمن إنه "يدعو إلى وقف تام للأعمال القتالية، ويستند بصورة خاصة إلى وقف حزب الله الفوري لجميع الهجمات، ووقف اسرائيل الفوريّ لجميع العمليات العسكرية الهجومية".
لأجل ذلك فإن التحفّظ عن البند السادس ليس ضرورياً، لأن هذا البند يتحفّظ عن نفسه بنفسه، ومن داخله، فالفقرة الأولى من القرار 1701 إمّا أن تنسخ "حق لبنان، بشعبه وجيشه ومقاومته" وإما أن تكون منسوخة من قبل الصيغة الأخيرة، وفي كلّ الحالات ليس هناك أحد يتبنى الصيغتين في الوقت نفسه، لا في 14 آذار ولا في 8 آذار. ثم إنّ البند السادس ينتهي بتأكيد الحكومة "العمل لتوحيد موقف اللبنانيين من خلال الاتفاق على استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه"، وهو ينيط بـ"الحوار الوطنيّ" إقرار مثل هذه الاستراتيجية. البند إذاً متحفّظ بشكل مسبق عن كل من يصادر حقّ تفسيره لنفسه، ويربط انبثاق مرجعية تفسيرية له بالتوصل إلى استراتيجية دفاعية.. بالحوار.
لأجل ذلك، يمكن التفاؤل بجلسات الثقة، كونها ذهبت، سواء من جانب 8 أو 14 آذار إلى ما هو أهم من فكرة "التأييد" و"التحفّظ".. لقد ذهبت إلى إقرار التعطيل العمليّ لأي قراءة تأويلية فئوية للبند السادس. ما هو مشرّع إذاً بموجب هذا البيان ليس "حق المقاومة" بالمطلق، وإنّما إرتباط "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته" بما يمكن تسميته "حق اللبنانيين في الحوار حول المقاومة". بدلاً من أن تكون "المقاومة موضع إجماع اللبنانيين" يكشف البند أنّها ليست كذلك. وبدلاً من أن تكون "عنوان افتراق اللبنانيين" يكشف البند بأن الهدف من الوحدة الحكومية والوطنية عكس ذلك. إذاً "المقاومة هي موضع حوار بين اللبنانيين"، وكل تشريع لها مضبوط بآلية الحوار الذي يرعاه رئيس الجمهوريّة.
تثبت مناقشات الثقة أن مسألة "السلاح" لا يمكن تجاوز مركزيتها، وأنّ المدخل الرئيسي لمعالجة مسألة السلاح هو الانطلاق من مساحة تأويليّة حرّة يتيحه الجمع، حمال الأوجه، بين حق لبنان "ومقاومته" وبين القرار 1701 الذي ينفرد بذكر "حزب الله" بالإسم. وهذه المساحة التأويلية ليس هناك في البيان الوزاري ما يعطي مفتاحها لـ"حزب الله" وحده، في حين أن هناك في القرار 1701 ما يحظّر ذلك تماماً، وبوضوح ودقّة لا التباس فيهما.




















