لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “أوبزيرفر” مقالا للمعلق سايمون تيسدال قال فيه إن القادة الشعبويين في العالم يفركون أيديهم فرحا بعد فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأمريكية الأسبوع الماضي، وبخاصة أن الرئيس الجديد يحتقر حقوق الإنسان ويهين حلفاء أمريكا. وقال إن عودة ترامب تعني سيادة القوة الغاشمة على الجيوسياسة حيث سيتم استرضاء الديكتاتوريين من روسيا إلى إسرائيل والصين.
وأضاف أن المشاعر ليست في العادة هي محل تركيز في عالم يهيمن عليه رجال أقوياء، ويعيش تحديات جيوسياسية معقدة وحروبا وكوارث. ومع ذلك، فإن لكل قاعدة استثناءات. ففي أعقاب فوز ترامب الحاسم تخيم غيوم عاصفة مظلمة محملة بالعواطف القوية على المشهد الدولي.
وقال إن مشاعر الصدمة والغضب انتابت أصدقاء وحلفاء أمريكا بسبب نجاح هذا المحتال الكاذب في إغراء عدد كاف من الناخبين للفوز بالرئاسة. وهناك استغراب واستهجان من حقيقة أن العديد من الناس تعاونوا في إغوائهم. وهناك حيرة في استطلاعات الرأي التي أظهرت أن 45% من الناخبات دعمن مفترسا جنسيا متلصصا، بينما ساعد الرجال اللاتينيون والسود عنصريا وقحا على الفوز.
ومن بين كل هذه المشاعر، ربما يكون الخوف هو الأقوى: الخوف على الأجيال القادمة التي ستعاني من عواقب تصرفات ترامب والخوف من أن يرث ملايين الشباب الذين يهتمون بشدة بالكوكب عالما يحتضر وعلى حافة الانقراض الجماعي والجفاف المميت والفيضانات وموجات الحر. والخوف من أن ترامب المنفلت، الملحد والفاسد وغير الأخلاقي والمتكبر سيكون سببا في هلاكنا جميعا، سياسيا وأخلاقيا.
هناك حزن كبير لأن الأجيال الحالية في الغرب سمحت بحدوث هذا وكانت متواطئة وضعيفة جدا ومهملة في الدفاع عن مثلها وقيمها بشكل سمح لرجل فاشي جديد مثل ترامب بتقويض أهم ديمقراطية في العالم
وهناك حزن كبير لأن الأجيال الحالية في الغرب سمحت بحدوث هذا وكانت متواطئة وضعيفة جدا ومهملة في الدفاع عن مثلها وقيمها بشكل سمح لرجل فاشي جديد مثل ترامب بتقويض أهم ديمقراطية في العالم. وكما حدث مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإن الشعور بالفشل في الصباح التالي حاد. وربما كان من المريح التفكير ببوق القيامة في قصيدة هاوسمان “فتى شربشاير” وأن ترامب 2 لن يكون سيئا كما هو واضح. فالتهاني الحارة وغير المقنعة التي يتم إرسالها عبر الأطلنطي من رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر وقادة الاتحاد الأوروبي، هي صورة عن جدار حماية يتم إنشاؤه ضد الزعيم المقبل.
وقال تيسدال، ربما كان جيدا التفكير بشيء إيجابي قد يخرج من خطط ترامب لإلغاء التحالفات المتعددة وبناء أمريكا القلعة من خلال رفع سقف التعرفات الجمركية وزيادة عمليات التنقيب عن النفط واسترضاء الديكتاتوريين والبلاطجة وتوسيع سيطرة الحكومة على الحياة الخاصة. وربما كان من المفيد الاعتقاد أن ترامب في انتصاره قد يكون أكثر سخاء، وما علينا إلا الحلم، مع أن كل الإشارات تظهر أن فترة ترامب الثانية لن تكون سوى أكثر تدميرا وتهورا وخروجا عن القانون من أي وقت مضى.
وإذا حاولنا الفهم من خلال المعايير التقليدية، فإن منح فلاديمير بوتين انتصارا استراتيجيا من خلال فرض تسوية “سلمية” على أوكرانيا، كما يقترح ترامب، من شأنه بلا شك أن يشكل سابقة مروعة. ففي سيناريو حالك كهذا، ستسود القوة الغاشمة ويتم تمزيق ميثاق الأمم المتحدة ويتم تغيير الحدود الوطنية بموجب الإملاءات. وستتساءل الدول المجاورة مثل جورجيا ومولدوفا وإستونيا، بل وحتى بولندا وفنلندا: من سيكون عليه الدور؟ وسيتساءل كذلك حلف الناتو المنكوب عما سيحدث له.
ويقول تيسدال إن أثر استرضاء بوتين سيترك أثره المدمر على أوكرانيا، فماذا سنقول لعائلات 30,000 جندي أوكراني سقطوا في الحرب. ومن في العالم، في تايوان وأماكن أخرى، سيشعر بعد الآن أنه يمكنه أن يثق في كلمة واشنطن؟
سيسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعصابته من المتعصبين الدينيين والمتطرفين إلى استغلال تحيز ترامب المناهض للفلسطينيين
خذ الشرق الأوسط على سبيل المثال، سيسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وعصابته من المتعصبين الدينيين والمتطرفين إلى استغلال تحيز ترامب المناهض للفلسطينيين. إنهم يدفعون لضم جزء كبير من الضفة الغربية وغزة والسيطرة على جزء من جنوب لبنان. وإذا دعمت الولايات المتحدة مثل هذه السياسة، فإنها لن تضمن إلا حربا دائمة في الشرق الأوسط. وخلف هذه الأجندة القاتمة تكمن منطقة داخلية مظلمة مليئة بالألم والمعاناة الإنسانية. فقد تجاوز عدد القتلى في غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 الآن 43,000 قتيل. كما تتزايد الخسائر بسرعة في لبنان. ومن بين 100 ألف جريح في غزة، هناك العديد من الأطفال، عدد كبير منهم مصابون بصدمات نفسية شديدة وأعداد كبيرة منهم أيتام.
وعندما يكبرون، على افتراض أنهم نجوا، فكيف سيشعرون؟ إن الكراهية لإسرائيل وأمريكا لا تكفي لتغطية كل هذا. وكما حدث في أوكرانيا، فإن خطط ترامب لن تعزز “السلام”. بل إنه بدلا من ذلك سيضع قنابل موقوتة للحرب الكبرى القادمة، ربما مع إيران.
ويقول تيسدال إن شيطنة ترامب للمهاجرين باعتبارهم منبوذين ومجرمين، بغض النظر عن وضعهم، حفزت أسوأ غرائز الناخبين. كما وأرسلت رسائل عنصرية خبيثة وقوية، وقد تستمر المشاعر العدائية التي أثيرت لاحقا بين السكان والتي تتراوح من الغضب العنيف إلى المواقف التمييزية التي أصبحت عادية وتزداد الآن. وهو ما يناسب ترامب ويساعده على تحقيق أجندته في ترحيل حوالي 11 مليون مهاجر “غير شرعي” من خلال حشر الأسر في مراكز احتجاز ضخمة ومعسكرات اعتقال فعلية.
وإذا تم تصوير هؤلاء الأشخاص على أنهم تهديد وكائنات بشرية أقل شأنا، فسيكون من السهل انتهاك حقوقهم وإساءة معاملتهم. وإذا فعل ترامب ذلك، فسيقلده الآخرون. ويقول تيسدال إن عدم احترام ترامب الواسع لحقوق الإنسان وبخاصة حقوق المرأة وحقوق المتحولين جنسيا وازدراءه للضوابط والتوازنات الديمقراطية وتدميره الأحادي الجانب للتحالفات والمعاهدات (سواء كانت الناتو أو اتفاقية باريس للمناخ) واحتقاره الإجرامي للقوانين، المحلية والدولية، هي سلوكيات سيتم محاكاتها على مستوى العالم. فالشعبويون اليمينيون في أمريكا اللاتينية وأوروبا وبريطانيا يستمتعون بها، وهناك الكثير من المقلدين المحتملين.
كما أن ترامب غاضب جدا ويريد الانتقام ومعاقبة أعدائه وهذه هي النقطة المحورية، فترامب مدفوع بالعاطفة وليس السياسة. بالنسبة له، السياسة ترتبط أولا بالاستجابات العاطفية، فهو ليس عقلانيا وهو متهور مندفع تقوده غرائزه ونزواته.
ولكي يجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى، يستعد ترامب لإعادة تشكيل العالم على صورته البغيضة، من خلال عدم احترام الحلفاء الديمقراطيين (مثل بريطانيا) وتخفيض مكانتهم وتقليص شأنهم والتملق للزعماء الاستبداديين من الذين يسيرون على طريقته في التفكير، وإذا كان هذا ما يجعله مرتاحا، فليذهب الجميع وكل شيء إلى الجحيم.
- القدس العربي


























