الحب مخدر لطيف وطبيعي، سلطته تسحر واحيانا تدمر… تنبثق الرغبة من الحب، فلا وجود لها بدون الحب / الايروسي. الرغبة اذاً هي ماهية الحياة، هي طلب للتواصل ما بين البشر، (دولتو) "كما تتحمل عدم الوصول الى الاكتمال المباشر".
نعيش في بحر من المشاعر والانفعالات، مليء بالهوامات، باللذة والرغبة ولكن لا احد يتجرأ ان يتكلم الا عن الالم والعذاب والعنف، اللارغبة واللالذة، لأن حضارتنا مليئة بمشاعر الذنب. من منا لا يعيش حالات احباط لا يتمكن معها من التعبير عن رغباته الجنسية / العاطفية؟ ان اثارة موضوع الرغبة / والجنس امر ليس سهلا، فأحلامنا تفضحنا وهواماتنا تغذينا ايروسياً. ان احلامنا الايروسية هي نتيجة معقدة لما نرغبه بشكل واع ونتجنبه بشكل لا واع.
ان أتكلم، انا كامرأة هنا وفي عالمنا عن الرغبة / اللذة بين المرأة والرجل وعن مظاهر واشكال العنف في الجنسوية بينهما امر صعب. ان الغوص في هذا البحر المجهول من واقعنا: الرغبة واللذة ومظاهر العنف واشكاله في حياتنا الجنسية المسؤولة عن جذور أهم الصدمات Traumastisme منذ الطفولة، يطاول الممنوع والمكبوت والمحرم، هو خاص وفردي لأنه يحرك الرغبات اللاواعية التي تكونت منذ الطفولة الاولى حتى سن الرشد مرورا بالمراهقة حيث تبدأ بالظهور من خلال العلاقة مع الجنس الآخر.
هكذا يتم اسقاط كل الهوامات والرغبات بشكل ملتو وتظهر في العلاقات العدوانية و / او العنفية. يعتبر فرويد بأن الرغبة اقوى من الممنوعات فهي اكثر تعلقا بالخيال والهوامات منها بالواقع. مثلا، عندما يتعرض الطفل الى صدمات جنسية من: اغتصاب، تحرش، سفاح قربى… تدمّر هذه الانواع من التعنيف الجنسي علاقته الجنسية في المستقبل، لأنه لا يتمكن من ان يعبر عن اي رغبة غصبا عنه. لذا يؤثر هذا الاضطراب الرغبوي على اللذة. تظهر الرغبة من خلال النزوة الجنسية، اي غريزة الحياة Eros حسب فرويد، التي تحافظ على التوتر كي تبقى ناشطة بينما غريزة الموت tanathos على العكس تدمر الطاقات الحيوية من خلال العنف (مع الاشارة الى ان فرويد قد استبدل مصطلح الغريزة بالنزوة لأن الغريزة حيوانية. بينما النزوة خاصة بالانسان). هذه الطاقة الرغبوية تدفعنا للتفتيش عن اللذة. اسماها فرويد ليبيدو اي الشهوة والرغبة في الجذور اللاتينية.
تتلون الشهوة بالرغبة ثم تتوج باللذة. عندما اتكلم عن هذه المفاهيم بمعنى آخر فانني اثير الحياة الجنسية، المليئة بالالغاز والأسرار، لطالما اكدت لنا النظريات النفسية والبيولوجية بأن الرغبة هي المحرك للحب اي الجنس / اللذة، تبقى على مستوى هوامي، خيالي من جهة التحليل النفسي بينما البيولوجيا تبقيها في الدماغ وتتعلق بالهورمونات Endomorphine والـDopamine هورمون السعادة، حسب الـ Neuroscience. بكلام آخر يصور الدماغ اي اثارة في منطقة معينة منذ اليوم السابع من الولادة حتى اليوم الحادي والعشرين لتنعكس في المستقبل على حياته العاطفية والايروسية. كل نوع من الانفعال له مكان اقامة في الجسد. واكد بعض الباحثين ( Damazio وآخرون) سنة 2000 بأن كل انسان يستجيب للمثير نفسه بشكل مختلف. وفي حال لم تُثر بعض المناطق في الجسد تضمحل. تتغير الانفعالات عند كل فرد قبل ان يفكر بوعيه من خلال افرازات الـDopamine المسؤولة عن اللذة الجنسية. مثلا: الطفل الذي لا يُغنج ولا يُداعب ولا يُقبل الا مرة في اليوم فهو يميل الى تجنب اللذة في المستقبل. او التفتيش عنها من خلال الغنج والمداعبات. هكذا توصم حياتنا منذ الطفولة. قل لي كيف أحبّوك اقل لك كيف ترغب.
اذاً الأحداث التي يتعرض لها الطفل بيولوجياً و / أو نفسياً تساعد على تنمية قدراته باكراً او بالعكس تساهم في نمو بطيء. لكن يجب أن لا ننسى بأن المراهقة بامكانها تطوير رغباته حتى ولو تعوّد المراهق منذ صغره على كبتها.
يعتبر لاكان Lacan بأنها يمكن ان تصحو وتظهر، لكن العكس غير صحيح لأن الذي تعوّد على عدم كبت رغباته وعاطفته ولذته فلا يمكنه ان يكبت فترة المراهقة. اذاً الجنسوية لا تبدأ وليس لها حدود بالايلاج، كما انها لا تختصر بالعلاقة التناسلية فقط. لا يوجد جنس في المطلق انما تواصل بين اثنين وتبادل نظرات وكلمات ولمسات. وهذا يعني رغبة في اللقاء مع الآخر تنمو في جو خال من العنف، الذي يدمرها لكنه ملون احيانا بالعدوانية التي تلعب في بعض المراحل دور المحفّز للمحافظة على العلاقات العاطفية / الجنسية الايروسية.
كيف؟ وما هي الكمية من العدوانية؟ نصل هنا الى الاشكالية التي اثارتني لاختيار هذا الموضوع، المغري والا لما اخترته، كونه يحرك لدي موضوع السعادة التي يفتش عنها كل الناس. ان ممارسة الحب الجنسي هو من اكبر انواع "السعادة" في الحياة، كما هو ضروري للتوازن النفسي والجسدي لأنه الطريق الافضل للتعبير عن مشاعرنا، وعلى المستوى العلاجي النفسي، كما تبين لي من خلال معاينتي للمشاكل الزوجية والجنسية. فالحب الجنسي هو اقوى مصحح ومرمم لها.
"ماتت رغبتي، ما عندي ابداً رغبة… بعمري بعد بدي رغبة…" تعابير ترددها غالبية الزوجات ومعظم العالم من حولنا، بعد فترة من الارتباط الزوجي. لقد افصحت النساء لي واكثر من الرجال عن رفضهن للجنس ومعاناتهن بشكل مباشر او غير مباشر من خلال الاضطرابات الجنسية والنفسية (اكتئاب، قلق، هجاس، وسواس قهري، خواف الخ…) دفعني هذا الواقع المرير الى الغوص والتفتيش انا بدوري عن علاقة الرغبة باللذة والعدوانية والعنف داخل العلاقة الجنسية. وتبين لي بأن العالم الذكوري المسيطر على الحياة الجنسية يختزن الكثير من العنف والعدوانية. منذ الطفولة يربّى الطفل الذكر في مناخ مشجع للرغبة والجنس اما البنت فممنوع عليها ان ترغب / أن تحب فهي تُحَب وتُرغَب. فهو الفاعل وهي المفعول به حسب فرويد. عندما أسمع الخطاب الانثوي والهوامات التي تعبر عنها النساء بعد رفع الاغطية الكثيرة امامي لأني امرأة، اتمكن من الدخول الى عوالمهن الايروسية وغيرها من الهوامات والوقائع. لا نتعجب لأن المرأة عندها افكار ايروسية تثير رغبتها، لكنها تبقى غالبا على المستوى الهوامي لأن تخيلاتها الجنسية تختلف عن الرجال بفعل القمع والكبت الجنسي الدائم والذي لا يُسمح لها بالتلذذ في جنسويتها.
انطلاقا من هذا الواقع الذي تُربى عليه الفتاة، تبنى كل العلاقات العاطفية والجنسية. بين الجنسين بشكل خاطىء ومنحرف لأنه يُسقط الرغبة / اللذة عند الانثى، فتقمع احاسيسها ومشاعرها مما يجعلها ترفض اللذة وتشعر بالذنب.
هكذا تتشابك علاقة العنف بالجنس والرغبة المرتبطة بالسلطة الذكورية على تملّك جسد المرأة منذ الطفولة وبعد الزواج (اب، اخ، شرف العائلة، عذرية، زوج…) تصبح الانثى المرأة مبتورة فتعيش مخاوف التعبير عن رغبتها المكبوتة فلا تعود متمكنة من ذاتها واحاسيسها ومشاعرها تجنباً للخطأ والخطيئة. كيف سترغب وتختار الشريك والحب اذاً؟
هل صحيح بأن الانثى مهيأة اكثر لتحمل الالم والعذاب لأنها مازوشية؟ طبعاً لأن تربيتها تقوم على الضغوطات الاجتماعية والنفسية وكلها تمارس على جسدها حتى ولو رفضته، فهي باقية في لاوعيها. جسدها يتحمل آلام الولادة. هكذا تصبح موضوعا قابلا لممارسة العنف عليه. لذا اقول بأن القليل من العدوانية قد يمنح لذة اكبر لأنه يؤجج الرغبة. مثلا الحب بشغف قد يؤدي الى القتل. تقول سهى مثلاً بأنها لكي تصل الى النشوة، تطلب من الرجل ان يؤلمها، فبالضرب تكبر لذتها / رغبتها، وحتى عندما تقوم بممارسة العادة السرية تتخيّل بأنها تُذل وتُعذّب وتٌضرب… لكن العكس هو أصح وأصدق لأن النسبة الكبرى ترفض العنف الزوجي الذي يمارس من خلال العملية الجنسية أو خارجها.
لنقرأ حالة فدى (¶) متزوجة ولها ولدان (30 سنة) …"خضعت مع زوجي لأبشع أنواع وأساليب الضرب من يوم عرسي الأول. كانت أبشع ليالي بحياتي… كأنه وحش مفترس، ضربني وما زال يضربني حتى أنزف (تبكي)… تمنيت الموت… أقرف من حالي صار يخونني… أقرب من الرجال وأرفضهم… أنا باردة لا يعني لي الجنس شيئاً…" (مقاطع من الجلسات).
هبا (20 سنة) …"أكره أبي لأنه يضرب أمي ويطردها من البيت… عندما يسكر، لا يعي ما يفعله… حاول والدي اغتصابي… تمنيت لو لم أولد بنتاً للعذاب…". رفض للأنوثة.
نارا السمراء (35 سنة) محامية جميلة زوجها طبيب. "دخلت من الباب وهي تضحك… جلست أمامي وهي تتنهّد (سكوت) ماذا أفعل؟ أخاف ان يتركني إذا اكتشف… أقوم بواجبي الزوجي" (سكوت) تنظر الى البعيد وتتابع …"بحب أبسطو وأن يلتذّ"… أنا لا أشعر بأي شيء حتى بقرف… لا أحب الجنس من زمان… عندي رغبة برأسي وأريدها ان تنزل الى جسمي، كي أحسّ بها… أنزعج من الشعور بالعنف الجنسي عبر وسائل الاعلام، والاعلانات من صور نساء عاريات…".
بعد خروجها فكرت بالهواجس التي تنتج عن كبت الرغبة والتي تظهر من خلال سلوكها… إنها تشبه العديدات: برنا، حياة، فتاة اللواتي تكلمن أيضاً عن فقدان الرغبة اللاواعية التي تزعجهن، يعبرن عن "العيب" وليس عن الألم والخطر… و… تبنى الهوامات من خلال العلاقات مع الأم والاب (سلطة، سادية، رضوخ، تلقي…) هكذا نرى الآخر من خلال الهوامات الموجودة في اللاوعي، هي التي تعبّر عن قصتنا الذاتية. هي التي تجعل الآخر موضوع إثارة أم لا، كما انها مسؤولة عن صدّ وفقدان الرغبة، تشارك أيضاً في ايجاد الرغبة واللذة مع الآخر.
حالة هاديا (24 سنة) تزوجت من عمر الـ22 مع وحش يضربني ويخونني… يأتي سكراناً ويضاجعني بالقوة، واذا رفضت يضربني ضرباً مبرحاً… يقول انا ألتذّ بسماع صوت عذابك لأنه يثيرني ويزيد رغبتي اليك… (تبكي) أقرف منه ومن الجنس وأتقيأ كلما اقترب مني للجنس (تشهق من البكاء، سكوت)… أكره جسمي الذي يتلذذ به زوجي… لولا ولدي لانتحرت…".
للعنف طبعاً وقع سلبي على الرغبة وقد اكتشفته بشكل صارخ من خلال هاديا، وهبا وفدى… اللواتي تعرضن لكل أنواع العنف: ضرب، خيانة، اغتصاب زوجي وهو الأكثر شيوعاً وخطورة، مضاجعة بالقوة والعنف… لا رغبة، لا لذّة، ألم جسدي ونفسي، جسد لا تملكه، موضوع لذة له. كم هن كثيرات وحالات طويلة وشباب تعرضوا أيضاً للاغتصاب، وسفاح قربى وحرموا من الرغبة واللذة واصبحوا عاجزين جنسياً، أو مثليين او هم بدورهم يغتصبون ويتحرشون بالاطفال.
حالة فارس (22 سنة) "… لا أعرف الانتصاب، وأقرف من الجنس، … اغتصبني أبي وأنا صغير جداً لم أذكر عمري، حتى انني تعرضت لاغتصابات عديدة من عمي وفي المراهقة من شاب… إنني أتعذّب وأتألم وأشعر بأوجاع في كل جسدي. الآن اصبحت لوطياً لكن ما زلت أخاف من الجنس ولا أشتهي أي فتاة… فقدت رغبتي لا أحب الصبيان ولا البنات…". انه شاب ممزق لا يشعر بالتكامل في الأنا… استعمل جسده واستُغِل جنسياً.
هكذا يلغي السلوك العنفي اللذة ويقتلها لأنه يحوّل الضحية الى شيء يمارس عليه ساديته.
السؤال الآن هل العنف خاص بالذكورة؟ السلوك الجنسي المنحرف هو صنع الرجال: زواج مبكر، اجباري، سفاح قربى، اغتصاب تحرش بالاطفال، دعارة، ضرب، حرق الاعضاء التناسلية، أفلام بورنو، سادية، ختان البنات، وداخل الثنائي فرض سلوك على الزوجة لا تحبه… كلها أفعال خارجة عن رغبة المرأة مفروضة وتؤدي الى نتائج أليمة ووخيمة في العلاقة الجنسية، منحرفة احياناً ومرضية.
الانحراف = ألم أي انه يلغي اللذة.
لنترك العنف الجسدي المهم والظاهر ولنلق نظرة على العنف النفسي الكامن. انه ايضاً أكثر خطورة كونه غير مبرر ولا يُرى وهو الأكثر انتشاراً بين الثنائي والمعطل الأكبر للتواصل ومحو الرغبة بينهما ويدور حول: اللااحترام، التبخيس بالآخر، انتقادات، تهديد، خيانة، شتائم، غضب، تنافر، صمت، لا حوار، لا مبالاة، هجر، خوف من الآخر، تملك الآخر، غيرة، إنكار وجود الآخر، لا تواصل، فرض آراء بالقوة، كلها تؤدي الى رضوخ للامور وبعض حالات القذف المبكر حيث يمارس سادية لا واعية على المرأة.
هل العنف هو الحرية المطلقة او التطور الزائد او البدائية أو الحيوانية؟ هل يجب الغاؤه؟ هل للعدوانية دور في الايروسية؟
اذا توصّل العنف الى ايذاء الآخر وتعطيل قدرته على التواصل والغاء رغبته، طبعاً. لكن قليل من العدوانية امر ايجابي يختلف عن العنف المدمّر والخاص بالحالات الانحرافية كما رأينا التي تطاول الشذوذ الجنسي. العدوانية قوة حسب الـGestalt تحمل الحركة، مثلاً، "أذهب نحو فلان" انها غريزة البقاء. اعطاها Perls حيّزاً مهماً للنمو عند الانسان فهو يعتبر بأن الأكل مثلاً عملية عدوانية: كدش عض – مضغ. ان الفرق الاساسي في العلاقة الجنسية هو ان العدوانية تعي وجود الآخر ومعنى اللقاء معه، اما العنف فيتناقض معها لأنها انقطاع عن الآخر. فالعدوانية اذاً شكل من أشكال التواصل، الغاؤها يحوّل الناس الى آلات لا مشاعر ولا انفعال لديهم فتسقط الفردية والخصوصية ليصبحوا وكأنهم اضافة متحركة.
اما الطاقة الجنسية فدينامية تحمل في طيّاتها عدوانية لقلّة جمودها كونها تحرّك الرغبة. يقول فرويد بأن قليلاً من الانحراف ضرورة كامنة لدى الاطفال. تختلف الطاقة الرغبوية بين الرجل والمرأة، لا تتكلم المرأة عن رغبتها بنفس لغة الرجل لانها موضوع رغبته ولذته. لن تقول رغبتها لأنها ركيزة في خياله الجنسي وتحتوي الرغبة على كمية من العدوانية، أما في حال كُبتت وقُمعت تنفجر الطاقة الرغبوية وتولّد نوعاً من الاضطرابات حتى عند "الأسوياء".
أصبح الانحراف في عصرنا، للأسف، بديلاً من الايروسية وكأن الهتاك exhibitionisme اساسي ومستمر والحياة الجنسية لدى غالبية الرجال قائمة على البصبصة Voyeurisme أو النظار بتأثير عصر الصورة التي تملأ المكان والزمان، وهي فريدة خصوصاً ان موضوع الرغبة يختلف عن موضوع الجنسيّ، وهما موضوعان متنافران غير مندمجين كما يعني أن موضوع حبه بات مجزأ لا يتغير تقول تجربة Harlow بأن الطفل يشبع عندما يرضع أو يأكل لكن الحنان لا يمكن ان يُشبِع جوع الحب الذي لا حدود له.
نفتح باب الجنسوية بيد ونغلقه باليد الأخرى بعنف، لأننا نخجل امام رغباتنا وسلوكنا الجنسي، كما نجهل في الوقت نفسه رغبات الشريك (ة). الآخر يحرك رغبتي، "رغبتي رغبة الآخر" Lacan.
هل ساهم التطور العصري في تحرير رغبة المرأة؟
(•) الاسماء مستعارة
(استاذة جامعية ومعالجة نفسية)
"النهار"



















