قيل الكثير من الكلام في انتخاب المجلس المركزي الفلسطيني قبل ايام في رام الله الرئيس محمود عباس رئيساً لدولة فلسطين، تلك الدولة التي اعلنت في 15 تشرين الثاني عام 1988 في الجزائر لاغلاق دائرة قانونية، وسد ثغرة قرار الاردن فك ارتباطه الاداري بالضفة الغربية، واعلانها من الجزائر كان يعني "وجود مالك لهذه الدولة تحت الاحتلال"، وهذا المالك هو منظمة التحرير "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني".وكان الزعيم الراحل ياسر عرفات مايسترو هذه الاوركسترا. يرفض أي شركة في هذا العنوان مع اخ او صديق او حليف.
الى ذلك، فالدولة اعلنت لتسلح الانتفاضة الفلسطينية الاولى عام 1987 ببرنامج سياسي، فلا تبقى الانتفاضة من دون هدف وهي التي هزت هشاشة الروابط والعلاقات المتوترة تحت السطح بين اسرائيل والشعب الفلسطيني وحوّلتها من علاقات قبول سلبي الى علاقات رفض وتمرد مشفوعة بكفاح سلمي لتغيير هذه العلاقات، فاكتسبت شرعية الانفصال والاستقلال والحق في اقامة دولة للفلسطينيين على ارض فلسطين. وكل ما حققه الفلسطينيون من مكاسب سياسية حتى اليوم يندرج تحت هذا الاعلان وهذا العنوان وهذا الهدف.
وهذه الدولة، التي حصلت على اعتراف اكثر من مئة دولة في الايام الاولى لاعلانها، هي اساس شرعية الحركة الوطنية الفلسطينية، واساس الاعتراف المتبادل بين المنظمة واسرائيل والذي بنيت عليه اتفاقات ومسارات تفاوض عربية – اسرائيلية (مدريد) وفلسطينية – اسرائيلية (اوسلو) واخواتها، مع ان هذه المسارات لم تمكن الفلسطينيين حتى اليوم من كسر حلقة الاحتلال واقامة دولة فلسطينية مستقلة، ولايزال نضالهم من اجل هذا الهدف يتعرض لحملات تشكيك من اسرائيل واميركا وغيرهما.
معارضو عباس الفلسطينيون انتقدوا انتخابه باعتباره "خرقا للقانون الاساسي للسلطة الفلسطينية"، مع ان ما ينطبق على المنظمة لا ينطبق على السلطة. والنظام الاساسي الفلسطيني (الدستور الموقت) ينظم ادوات الحكم الفلسطيني والعلاقات بين السلطات الثلاث للسلطة الفلسطينية، ولا ينظم العلاقات الداخلية لمنظمة التحرير صاحبة الكلمة الاخيرة في الشأن السياسي العام وفي المصير الوطني وفي المرجعيات القانونية والسياسية للاتفاقات ومشاريع التسوية مع اسرائيل.
ولا يقلل ذلك اهمية مكونات واجسام سياسية فلسطينية لها وزنها في الحياة السياسية الفلسطينية مثل حركة المقاومة الاسلامية "حماس"، لكنه ايضا لا يعطيها الحق في ما لا حق لها فيه. فهي من رفضت منظمة التحرير الفلسطينية، وتعترض على برنامجها وعلى حق المنظمة في تمثيل الشعب الفلسطيني قبل تجسيد قيام الدولة المستقلة، كما انها ترفض شركة مع المنظمة كفاحا ومكاسب، وتريد اقصاءها لتحل محلها ببرنامج اصولي في مواجهة برنامج الحركة الوطنية الفلسطينية الديموقراطي العلماني.
وتريد "حماس" فوق ذلك ان تنسب الى نفسها كل مكاسب الحركة الوطنية الفلسطينية من اعتراف دولي بشرعية كفاحها لاقامة دولة من دون ان تبرهن كفاية عن استعداد لاقامة دولة فلسطينية مستقلة، حتى وان قال ناطقون باسمها كلاما آخر. فهي حركة تقول ما لا تريده بوضوح شديد. ولا تقول ما تريده الا مواربة مع تشويش على الهدف باهداف اخرى تعرضها الى جانبه.
المهم ان رفض "حماس" انتخاب عباس رئيساً للدولة لا جديد فيه، لان من قام بانقلاب عسكري وسيطر بالقوة المسلحة وبالعنف على منطقة جغرافية من ولاية الدولة الفلسطينية العتيدة تسقط كل حججه المستمدة من القانون الاساسي في رفض الانتخاب، لان هذا القانون نفسه لا يعطي لأي جسم سياسي فلسطيني حق حسم خلافاته في المجتمع الفلسطيني بالقوة المسلحة وهو ما قامت به "حماس" في 14 حزيران 2007. ولان قانون السلطة شيء وقانون المنظمة شيء آخر.
والاكثر أهمية أن عباس انتخب لملء فراغ قانوني في لحظة حساسة، اذ تتعرض شرعية المجلس التشريعي للتعطيل باعتقال اسرائيل ثلث اعضائه ومصادرة نواب حركة "حماس" حق المجلس، علماً انهم يتحدثون نيابة عن المجلس ويصدرون بيانات باسمه من دون تمريرها على الكتل الاخرى، مع ان "فتح" تملك غالبية في المجلس لم تكسر خطوطا حمرا في قواعد اللعبة الداخلية، فلم تستخدم غالبيتها العددية بدل غالبية "حماس" المنتخبة.
وبعد التاسع من كانون الثاني المقبل، ثمة احتمال ان تتجاوز "حماس" خطا احمر جديدا لتعطل شرعية اخرى هي الرئاسة الفلسطينية، فتعين احمد بحر رئيسا بالوكالة الى حين انتخاب رئيس جديد للسلطة، مستغلة واقع الانقسام الحالي الذي يحول دون اجراء انتخابات بولاية واحدة ورئاسة واحدة. لهذا احتاط عباس بان اعطى لنفسه حقا كان متروكا لوعي الفلسطينيين وتطور مشروعهم التحرري الديموقراطي فطلب انتخابه رئيسا للدولة، فوق رئاسة السلطة، اكانت منتخبة ام معينة. وقد حصل على تأييد عربي لشرعيته من مجلس الجامعة العربية.
كل كلام آخر عن مواعيد انتهاء ولاية الرئيس عباس هو كلام قانوني، اما انتخابه ففعل سياسي بامتياز لمنع تعطيل الشرعيات.
رام الله – من محمد هواش
"النهار"



















