منذ السابع من أكتوبر، اجتاحت المنطقة زوبعة يصعب التنبؤ باتجاهاتها، في الوقت الذي بقي فيه نظام الأسد صامتًا مترقبًا، لا يبدي حراكًا. ذلك لعلمه التام بمدى هشاشة موقعه في هذه الأزمات الدائرة.
ومن المعلوم أن نظام الأسد، ومنذ ما يزيد عن أربع عشرة سنة، يعيش على الدعم الإيراني والحماية الروسية، مع صمت غربي “أوروبي أميركي” يبقي على نظام الأسد أو يحميه من السقوط، تارة بذريعة محاربة الإرهاب وداعش، وتارة بهشاشة المعارضة وغياب البديل والخوف من الفوضى. واليوم، بعد انشغال العالم الغربي بالحرب الروسية على أوكرانيا واشتعال منطقتنا العربية بحرب غزة ولبنان، ودخول إيران بشكل مباشر في دائرة الحرب والاستهداف الإسرائيلي، بات من غير المقبول أن يستمر نظام الأسد بالصمت ومراقبة الحدث بعين النعامة. وسيُطلب منه عاجلًا أم آجلًا التخلي عن حليفه الإيراني كصفقة وثمن لبقائه في كرسي الحكم.
هل ستقبل إيران أن تخرج من المشهد السوري بدون ثمن؟ وهل سيكون هذا الطلاق بين بشار الأسد ونظام الملالي سببًا في اغتياله والتخلص منه؟ وهل ستقبل إسرائيل، التي طالما حرصت على بقاء الأسد، بالتخلي عن ربيبها وهو أفضل من يحرس حدودها ويلتزم بمصالحها؟ أسئلة صعبة لا يسهل الإجابة عنها في هذا الغبار الثائر، لا سيما أن القادم إلى البيت الأبيض يحمل في جعبته الأسوأ، ولا يمكن التكهن بخطوته التالية.
هل سيكون بمقدور الأسد أن يسارع إلى اجتراح حل وسطي ويقبل بمصالحة وطنية يمنح من خلالها المعارضة السورية بعض المطالب ليعزز جبهته الداخلية ويكون أقدر على البقاء وسط هذه الزوبعة؟
ولكن بالنظر إلى سياسات الولايات المتحدة، فإن وصول رئيسين متشابهين إلى حد كبير، هما جورج بوش الابن ودونالد ترامب، ينذر كالعادة بأسوأ السيناريوهات التي يمكن للإدارة الأميركية مستقبلًا التبرؤ منها بتحميل جريرتها للأحمق الذي فاز بالانتخابات.
من الواضح أن هناك ضغطًا إسرائيليًا وأميركيًا كبيرًا لإخراج الميليشيات الإيرانية من سوريا. وإذا نظرنا إلى موازين القوى بعد خروج تلك الميليشيات، فسنجد أن ما يتبقى من بنية نظام الأسد مجرد بقايا كيانات مهلهلة من الجيش والأمن، لا تكفي لحماية مدينة دمشق وحدها، فما بالنا إذا تحدثنا عن بسط سلطة الدولة على معظم الأراضي السورية؟
هل سيكون بمقدور الأسد أن يسارع إلى اجتراح حل وسطي ويقبل بمصالحة وطنية يمنح من خلالها المعارضة السورية بعض المطالب ليعزز جبهته الداخلية ويكون أقدر على البقاء وسط هذه الزوبعة؟ في الوقت الذي لن تتمكن فيه القوات الروسية المحدودة من حمايته، ولن يصعب على بشار الأسد تغيير تحالفاته للبقاء ممسكًا بزمام الأمور. ولكن، لن يستطيع أحد أن يحميه من غضب إيراني إن هو خذلهم وكان عاملًا مساعدًا في تدهور مشروعهم.
هذا السيناريو المتخيل لن يفي بالغرض ولن يكون منقذًا لنظام الأسد، الذي يعلم الجميع أنه بدون الحماية المباشرة من إيران وروسيا ليس بمقدوره البقاء أو الصمود لعشرة أيام.
أربع قوى رئيسية ستحدد بقاء الأسد أو سقوطه:
-
الدور الإيراني
إيران تبذل أقصى ما تستطيع لإبقاء سوريا معبرًا للسلاح والإمداد الذي يغذي حزب الله، ومن جهة أخرى عمقًا استراتيجيًا تُدار الحرب بينه وبين إسرائيل ضمنه. وربما تتلاقى المصالح الإيرانية والإسرائيلية في هذه النقطة، فمن الواضح أن كلا الفريقين لا يسعى لتوسيع دائرة الحرب المباشرة. -
الدور الروسي
روسيا متمسكة إلى أقصى الحدود ببقائها ممسكة بتلابيب النظام السوري وإبقائه واجهة لنفوذها الأخير على شاطئ المتوسط، بالرغم من انشغالها المربك بالحرب الأوكرانية التي تستنزفها بشكل كبير. -
الدور الإسرائيلي
إسرائيل، وإن بدت غاضبة ومحذرة من الدور السوري في تعزيز دفاعات حزب الله والسماح لإمداداته بالعبور عبر أراضيه، إلا أنها تدرك أن النظام السوري عند الضغط عليه لن يملك إلا خيار التناغم والانصياع للأقوى. وهي إسرائيل التي تملك الضوء الأخضر الغربي لاجتياح المنطقة وإعادة تشكيلها على نحو يكفل أمنها ومصالح الولايات المتحدة الأميركية. -
الدور الأميركي
الدور الأميركي هو من أكثر الأدوار التباسًا اليوم، لا سيما بعد صعود ترامب. فهو، من جهة، يرغب بانتصار إسرائيل وبسط هيمنتها في الشرق الأوسط، كما يرغب بإنهاء عهد الميليشيات التي أشاعت الفوضى في السنوات العشر الأخيرة. ومن جهة أخرى، لا يملك رؤية جادة في إسقاط نظام الأسد لأنه يمنح بوجوده مبررات منطقية للتدخل وإدارة الفوضى.
بين تلك المجاهيل والمعاليم، يبقى الملف السوري بعيدًا عن جدية الحل أو الحسم في الوقت الراهن. ولا تملك القوى الوطنية “إن هي وجدت أصلًا” أي رؤية أو قدرة لتكون جزءًا من حل مأمول.
ولذات السبب، قد نشهد ميلًا أميركيًا لعدم القضاء بشكل نهائي على حزب الله، وإنما الإبقاء عليه كصمام أزمات منزوع السلاح قد تحتاجه أميركا في وقت ما لإشاعة الفوضى. ويجب تذكر أن الملف السوري لم يعد يشغل الساسة الأميركان كما كان سابقًا، وربما يمكن الزعم بأن الأميركان، على وجه العموم، لا يملكون رؤية محددة تجاه الملف السوري إلا بالقدر الذي يساهم فيه بتشكيل الخرائط المستقبلية على النحو الذي تعمل عليه إسرائيل.
بين تلك المجاهيل والمعاليم، يبقى الملف السوري بعيدًا عن جدية الحل أو الحسم في الوقت الراهن. ولا تملك القوى الوطنية “إن هي وجدت أصلًا” أي رؤية أو قدرة لتكون جزءًا من حل مأمول. وبالنظر إلى هشاشة الحالة العربية عمومًا، والميل إلى التطبيع مع إسرائيل، فإن الدفع باتجاه حل للأزمة السورية المستعصية لا يشكل ضرورة ملحة لأحد. وربما يرى البعض أن إبقاء الساحة السورية في احتراق ونزيف مستمر يشكل إنذارًا طويل الأمد لكل من تسوّل له نفسه الخروج عن النص أو المطالبة بالحرية.
- تلفزيون سوريا



























