تبدو خيارات الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما في المجال المالي والاقتصادي جيدة، فقد اختار رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي في نيويورك وزيرا للخزانة، كما اختار لورنس سامرز، الاقتصادي المتميز ورئيس جامعة هارفرد سابقا، ليكون رئيسا لمجلس الامن القومي الاقتصادي. وعزز هذه الخيارات بتعيين مدير لمكتب الخزينة شاب ديناميكي ومساعد سابق لرئيس هذا المكتب.
قبل توجه الناخبين الى صناديق الاقتراع اوائل هذا الشهر، واختيار اوباما بغالبية مريحة له وللديموقراطيين، كان من الواضح ان فريق الرئيس الجديد اكثر استشعارا لمخاطر الوضع الاقتصادي وضرورات تنفيذ برنامج انقاذي من فريق ماكين. والواقع ان المرشح الجمهوري كان يقول، والى ما قبل اسبوعين من تاريخ الانتخابات الرئاسية، ان وضع الاقتصاد الاميركي جيد.
بعد اقل من شهرين يتولى الرئيس الجديد دفة القيادة والقرار التنفيذي. لكن الفترة الفاصلة بالغة الاهمية، فلو تصاعدت مظاهر الازمة وتأثيراتها فقد لا تكون عملية الانقاذ ممكنة. وعلى أي حال فانها تحتاج الى اكثر من سنتين لإعادة التوازن الى الاقتصاد الاميركي ومواجهة معدل بطالة بين 8 و 10 في المئة، وهذا المستوى بالغ الارتفاع في نفسية الاميركيين.
ربما بسبب هذه المخاوف، برزت دلائل على قرارات كبيرة الاهمية لم تكن متوقعة. فالمجموعة المصرفية الكبرى في العالم "سيتي غروب" حظيت ببرنامج دعم مباشر وغير مباشر يوازي 300 مليار دولار، منها 20 مليار فقط يحسب على برنامج الـ 700 مليار الذي اقرته حكومة بوش، والرصيد أي 280 مليار دولار تعتبر التزامات اضافية. لكن هذه الالتزامات ترتبط بقيم وموجودات عقارية وتجارية لدى الـ"سيتي غروب". فلو تدنت اسعار هذه الموجودات وقيمها بأكثر من 10 في المئة، تنتقل الملكية الى الدولة التي بدورها تسيّل الموجودات في ما بعد، وقد تحقق ارباحا، كما حصل عام 1991 عندما تملكت مؤسسة حكومية موجودات مؤسسات الادخار والتسليف وقد بلغت تكاليف تلك الازمة في ذلك التاريخ 400 مليار دولار.
اضافة الى هذه التسهيلات، ينظر الكونغرس في مشروع لدعم صناعة السيارات قد يستوجب قروضاً تراوح بين 25 و 40 مليار دولار. وعلى الارجح ستقر هذه المساعدة شرط التزام الشركات الاميركية انتاج سيارات تتمتع بشروط مناسبة للبيئة واقتصادية في الوقت ذاته.
والأهم من كل ذلك ان فريق أوباما يعد خطة لتحفيز الاقتصاد الاميركي وتنشيطه تركز على برامج خفض الاعتماد على النفط، والعناية بالبيئة، وتحسينه خصائص البنية التحتية، وتوسيع رقعة المنافع الاجتماعية.
وادراكا من فريق الرئيس المنتخب لتوسع العجز في الموازنة المرتقب نتيجة اجراءات حكومة بوش وبرنامج أوباما، فهم يقترحون تأخير برنامجه لخفض الضرائب على فئات ذوي الدخل المتوسط، وزيادة معدلات الضرائب على الميسورين الى حين انقضاء سنتين.
ما هي النتيجة لبقية العالم؟
الولايات المتحدة شهدت توسع الازمة المصرفية التي تحولت ازمة اقتصادية لم يشهد العالم مثيلا لها منذ سبعين سنة، وعلى رغم ذلك اصبحت سندات الحكومة الاميركية ملاذا لمدخرات أصحاب الاموال أكثر من الذهب، او العقود المستقبلية على شراء النفط.
والحكومة الاميركية في آخر اجتماع مالي دولي انعقد في واشنطن في 15/11/2008 اقرت بضرورة تعديل نظام النقد العالمي، واعطاء الاتحاد الاوروبي، والصين والهند وروسيا وجنوب افريقيا، دوراً اوسع في هذا النظام، اضافة طبعاً الى الدول النفطية الرئيسية ومن اهمها السعودية، والكويت، ودولة الامارات العربية.
الدور الذي تقر به الولايات المتحدة، صاحبة التقرير حتى تاريخه في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يحتاج الى صياغة وتوزين واتفاقات دولية. وهذه الامور تستوجب انقضاء وقت طويل لا يقل عن ستة اشهر الى سنة، وبالمقابل الازمة الدولية مستمرة وربما متصاعدة والموارد المالية مطلوبة وخصوصاً من دول الاحتياط المتراكم كالصين (200 مليار دولار، واليابان (1000 مليار دولار) ودولة الامارات، (900 مليار دولار) وروسيا، (700 مليار دولار) وماليزيا وسنغافورة (500 مليار دولار).
هذه الدول التي حققت احتياطات مرتفعة بفضل جهد مواطنيها مثل الصين واليابان وسنغافورة، أو تصدير ثرواتها الناضبة مثل الامارات والسعودية، تواجه بسبب الازمة الدولية التزامات كبيرة للمحافظة على دورات اقتصاداتها. فالصين خصصت 600 مليار دولار لهذا الغرض، والسعودية وضعت برنامجا للانفاق على البنية التحتية والمنافع الاجتماعية على خمس سنوات بمقدار 400 مليار دولار، وروسيا خصصت حتى تاريخه 250 مليار دولار لحاجاتها.
ان اقدام هذه الدول على دعم برامج الانفاق العالمية بمبالغ ملحوظة تقرب من 800 مليار دولار من الصين و 400 مليار دولار من اليابان ونحو 380 مليار دولار من دول الخليج العربي تعتبر مغامرة بالغة الكلفة لإحياء الاقتصاد الاميركي ومن بعده الاقتصاد الاوروبي.
وخيار الامتناع قد يساهم في تعميق الازمة الى حد خطير ومن ثم تفجر أوضاع اجتماعية وعسكرية ذات ابعاد مخيفة للعالم اجمع.
وربما، وتمهيدا لعملية الانقاذ، يجب ادخال ايران في مجموعة العشرين التي شملت تركيا، علما بان اقتصادها، على أهميته، هو دون أهمية اقتصاد ايران ومواردها.
وبصورة اهم على حكومة اوباما ان توضح وضع العراق لان هذا البلد هو بالفعل صاحب ثروة نفطية تضاهي موارد المملكة العربية السعودية.
"النهار"



















