الياس حرفوش
مثل طبيب يغسل يديه من مريضه لأنه طبيب فاشل، أو لأنه لا يجرؤ على وصف العلاج اللازم، غسل باراك اوباما يديه من حل الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين. لكن اوباما فعل اسوأ من ذلك الطبيب. لقد القى مسؤولية فشل العلاج على المريض، لأنه أعجز واكثر جبناً من ان يقف امام مريضه ليقول له بصراحة: أنا طبيب فاشل.
في معرض تشخيصه لأسباب فشل وساطته يقول اوباما، (في حديثه الأخير الى مجلة «تايم» الاميركية)، إنه بالغ في تقدير ما تستطيع ادارته القيام به لدفع اسرائيل والفلسطينيين الى حوار جدي في الوقت الذي تسير سياساتهم بعكس ذلك. وشرح الأسباب بأنه «من وجهة نظر عباس، كانت حركة حماس تقف فوق كتفيه، كما أن المناخ العام في العالم العربي كان قليل الصبر حيال اية مبادرة. اما من جانب الاسرائيليين ومع انهم اظهروا رغبة في إجراء تعديلات على سياساتهم، فقد ظلوا يجدون ان القيام بمبادرات جدية هو امر بالغ الصعوبة».
يتجاهل باراك اوباما في تشخيصه هذا حقيقة أن ما يدفع «حماس» الى الوقوف «فوق كتفي» ابو مازن هو ان الادارات الاميركية والحكومات الإسرائيلية التي كانت تدعمها هذه الإدارات هي التي عبّدت كل الطرق امام المتطرفين والانتحاريين، بسياساتها غير العادلة والمنحازة الى اسرائيل، وقد دفعت منطقتنا والعالم كله ثمناً باهظاً لهذه السياسات. ويتجاهل اوباما أن قبول الرئيس الفلسطيني بما يريده نتانياهو وما يمالئه فيه الأميركيون، اي التفاوض في ظل الجرافات التي تنشر المستوطنات في القدس الشرقية ومعظم انحاء الضفة الغربية، هذا القبول يودي بابو مازن الى الانتحار السياسي قبل ان يبدأ التفاوض. ابو مازن يدرك ذلك واوباما يفترض ان يدركه ايضاً، لأن مبعوثه الخاص جورج ميتشل نقله اليه عن لسان الرئيس الفلسطيني.
اما «المناخ العربي» الذي يشكو اوباما من أنه لم يساعد مبادرته، فهو المناخ الذي مهّد الطريق امام حل دائم وعادل ومتوازن للنزاع بموافقة الدول العربية بالإجماع على المبادرة التي اطلقتها في قمة بيروت عام 2002 (وهي المبادرة التي لا بد ان الرئيس الاميركي سمع بها) والتي تفضي بنودها الى حل دائم للنزاع على اساس مبادئ الشرعية الدولية وقرارات الامم المتحدة، التي كان يفترض بالرئيس الذي جاء تحت شعار «التغيير» أن يعيرها بعض الاهتمام، على عكس ما فعل اسلافه، او أن يعترف بأسباب فشله في ذلك.
اما اسباب هذا الفشل فبسيطة وكان اجدر باوباما ان يعلنها بدل القاء المسؤولية على الضحية، على الأقل كما فعل الأمين العام للامم المتحدة بان كي مون في تصريحاته اول امس. هذه الأسباب تتلخص في الالتزامات التي قطعها اوباما على نفسه امام اركان التنظيمات اليهودية في الولايات المتحدة الذين امتعضوا حيال الصوت العالي الذي استخدمه في خطبه الاولى بعد تسلمه والتي ظهر منها ميل الى التوازن. في هذا الاجتماع الذي عقد في البيت الابيض في تموز (يوليو) االماضي، والذي اشرنا اليه في مقال سابق، التزم اوباما بأن اي حل للنزاع لا يجب ان يشكل تهديداً لأمن اسرائيل (كما ترى هي هذا الامن)، وبأن اي «تنازل» تقدم عليه اسرائيل يجب ان يرافقه تطبيع كامل مع الدول العربية، حتى قبل الوصول الى تسوية نهائية.
هذه الالتزامات، وليس كتفا ابو مازن او المناخ العربي، هي التي تمنع اوباما من دفع بنيامين نتانياهو الى وقف الاستيطان كما طالبت هيلاري كلينتون في عبارتها الشهيرة قبل اشهر وقبل ان يبدأ اوباما رحلة التراجع: «وقف الاستيطان يعني وقف الاستيطان. نقطة على السطر». كان أجدر بالرئيس الاميركي قبل ان يطلق تشخيصه الأخير والمعيب لأسباب فشله ان يسمع ما قاله رئيس بلدية القدس نير بركات صديق نتانياهو لمراسلة «بي بي سي» في البرنامج الاسبوعي «بانوراما» (يمكن مشاهدته على موقع المحطة) عن اهداف سياسة زرع المستوطنات في القدس الشرقية حيث «يحق لليهود أن يعيشوا في اي مكان في القدس» وعما سيؤدي اليه تطويق هذه المدينة من نهاية فعلية لإمكان تحولها الى عاصمة للدولة الفلسطينية، فضلاً عن الآثار البشرية والانسانية التي تخلّفها سياسة اقتلاع الفلسطينيين من بيوتهم والقائهم في الشوارع.
كان يفترض بأوباما ان يكون اكثر صدقاً واكثر جرأة … لقد خيّب فقط آمال من كانوا يتوقعون ان يكون لون سياسته مختلفاً مثل لون بشرته.




















