لم يكن ماوتسي تونغ مخطئاً حين شبّه بلدان «الغرب» بمدن العالم وبلدان «العالم الثالث» بأريافه. لكنّه كان بالتأكيد مخطئاً حين رأى أن تلك الأرياف سوف تحرّر تلك المدن، تماماً كما «حرّرت» أرياف الصين، في 1949، مدنها.
يقال هذا الكلام فيما العلاقات بين «الإسلام» و»الغرب» في أدنى دركاتها، بينما العلاقات بين الأكثريّات والأقليّات في العالم الإسلاميّ في أدنى دركاتها أيضاً. ويحكم المنطق البسيط بأنّ من يعجز عن بناء مجتمعات منسجمة ومتعايشة يصعب أن يعلّم الآخرين الانسجام والتعايش.
والحال أنّ تمكين الأرياف في وجه المدن، داخل كلّ دولة وعلى نطاق عالميّ، لم يقتصر على الديكتاتور الصينيّ الراحل. فهناك جسم هائل من الأفكار الشعبويّة التي تحذف من حسابها العلم والعمل والتاريخ وسائر علاقات التبادل بين الكتل البشريّة، أو تختزلها في تلك الثنائيّة الفقيرة عن «الضحيّة» و»الجلاّد».
وفكر التمكين هذا اتّخذ أشكالاً عدّة منها الدينيّ (نحن الأرقى والأكثر أصالة)، ومنها القوميّ (نحن الحقّ وهم المؤامرة)، ومنها الاشتراكيّ (نحن الإنتاج والكدح وهم الاستهلاك والاستغلال)، ومنها الثقافويّ (نحن موضوعهم، هم الاستشراق…). وحين تعرّفنا إلى النقد الغربيّ للعنصريّة، ولم نكن قد بعنا جميع عبيدنا، تبنّينا الفهم الشعبويّ لها: العنصريّة هي التمييز بين الثقافات (لا التمييز بين القابليّات).
بلغة أخرى، قام فكر التمكين على عُصاب نفسيّ معمّم تسنده طبقة من نرجسيّة جريح ومن رومنطيقيّة دفعها الحسد إلى الانتهازيّة: فنحن نريد الحداثة مقطوعة عن أسبابها، وأسبابُها في «الغرب» وفي الاستعمار الذي أمدّنا بها، ولو بطريقة مجتزأة وانتقائيّة. وهذه كانت، ولا تزال، مقدّمة ضمنيّة أو معلنة لسلوك يجعلنا كلّما أحسسنا بحاجتنا إلى الغرب، في العلم أو العمل أو غيرهما، زدناه كرهاً.
وقصارى القول إنّ من شاؤوا تمكين الأرياف في مواجهة المدن، داخل البلدان وعلى نطاق عالميّ، حرموا أهل «الأرياف» من أن يتعلّموا تجربة لو لم تكن أكثر تقدّماً وأكثر نفعاً من تجاربهم لما قصدوها. على العكس تماماً، قيل لأهل «الأرياف»، بلغات إيديولوجيّة شتّى، قديمة وحديثة، إنّ المدن تستحقّ العقاب: فهي كافرة أو ملوّثة أو هجينة أو استهلاكيّة أو كومبرادوريّة أو أنّها حاضرة من حواضر الاستعمار وتعليمه وأفكاره الخ…
وهذا ما ندفع اليوم أثمانه المكلفة: في بلدان «العالم الثالث» ترييفاً واثقاً وظافراً يريد أن يعيد رسم المدن على صورته ومثاله، وفي «الغرب» أزمة تعايش غير مسبوقة صُدم بها مشروع التعدّديّة الثقافيّة وهو قيد البناء. ولئن بدا متنوّرو المدن في «العالم الثالث» أضعف من أن يردّوا على هجمة سريعاً ما تترجمها البنادق، منظّماتٍ وتنظيمات وأنظمةً عسكريّة وأخوةً ورفاقاً من كلّ نوع، فإنّ متنوّري الغرب، ما دامت الحياة هناك منزوعة السلاح، يردّون. وفي هذا نراهم يكرّرون حججاً ثلاثاً: فأوّلاً، يتأدّى عمّا يحصل تعزيز القوى الغربيّة الأكثر عنصريّة وتخلّفاً وكراهيّة للأجانب، والتي لا ترى إلى العالم إلاّ ساحة لصراعات الأديان والحضارات. وثانياً، يترتّب عليه، تبعاً للإرهاب والتحدّيات الأمنيّة، تراجع عن مكتسبات مدنيّة وعن حقوق أحرزتها نضالات مديدة غربيّة ضدّ عسف الدولة واستبدادها. وثالثاً، ينحطّ السجال العامّ فيختلط بما تجاوزته أوروبا في مسارها المديد نحو العلمانيّة والفرديّة والديموقراطيّة. هكذا يغدو مشروع الأرياف بمثابة دعوة ملحّة لإرجاع أوروبا إلى الوراء، إلى ماضٍ دينيّ عافتْه وأودعته كتب التاريخ. وطبيعيٌّ، والحال هذه، أن تردّ أوروبا التقدّميّة وتستنكر الرغبة في تخليفها، بعدما اعترفت بفشلها في تقديمنا.
"الحياة"




















