دولة الجدار، هكذا علقت صحيفة يديعوت أحرونوت، على قرار الحكومة الإسرائيلية، الخاص ببناء جدار أمني، على الحدود مع مصر، الصحيفة أشارت إلى أن الدولة العبرية، باتت عملياً محاطة بالجدر، من كل الجهات، جدار أمني مع سورية، جدار اخر مع لبنان، جدار فاصل عن الضفة الغربية، جدار أمني يزنر الحدود مع قطاع غزة، والآن أقفلت الدائرة، عبر الجدار الأخير على الحدود مع مصر.
القرار الإسرائيلي، يختزن العديد من الدلالات، فمبدئياً هو يعيد الدولة العبرية، إلى الوراء، إلى مرحلة ما قبل التأسيس، مرحلة السور والبرج، في الثلاثينات من القرن الماضى-عندما اشتدت المقاومة الشعبية الفلسطينية للمشروع الصهيوني لتهويد فلسطين، والتي تضمنت، بناء سور لحماية المستوطنات الناشئة، مع برج عسكري للحراسة، يبدو أن الدولة كلها، تحاط الآن بالأسوار، فيما يتحول سلاح الجو في الحقيقة، الى أبراج عسكرية متحركة، للحراسة، وهنا تبدو المفارقة لافتة، دولة تمتلك أسلحة نووية، وترسانة هائلة من الأسلحة التقليدية، تلجأ الى الأسوار، لحماية نفسها، في مواجهة خصوم، يمتلكون أسلحة جد متواضعة مقارنة بها..
الأمر الآخر المهم، في القرار الإسرائيلي، يتمثل بكونه، كما مفهوم الجدر بشكل عام، يوجه ضربة قاصمة، لمبدأ الانخراط في المنطقة، وينقض في السياق، مشاريع وخطط الشرق الأوسط الجديد، الكبير منها والصغير، إسرائيل تنكفئ داخل حدودها، غير المعلنة رسمياً، حتى الآن، في إشارة غير مباشرة، على الإقرار بالعجز، عن فرض الهزيمة، على المحيط وإجباره على الخضوع، لمشيئتها وهيمنتها، في أبعادها المختلفة السياسية الاقتصادية والأمنية.
عند تبريره للقرار، قال بنيامين نتنياهو، إنه يهدف إلى الحفاظ، على يهودية وديموقراطية إسرائيل، كونها الدولة الوحيدة، من" العالم الأول"، التي يمكن الوصول اليها، سيراً على الأقدام من العالم الثالث، مهم جداً كلام نتنياهو، يحمل دلال لافتة، الزعيم اليميني، بات مدركاً للخطر الديموغرافي، الذي يهدد الدولة العبرية، في تناقض مع مفاهيم اليمين المتطرف، ونظرية أرض إسرائيل الكاملة، بشكل عام، هذا قد يشكل دافعاً أو مؤشراً، لاحتمال تقديم تنازلات جدية للحفاظ على يهودية وديموقراطية إسرائيل (للمفارقة هذه لازمة مصاحبة لخطاب تسيبي ليفني السياسي) على المسار الجوهري والمركزي، وهو المسار الفلسطيني، علماً أن نتنياهو على طريقة شارون يرى الأمور من هنا "السلطة" من هنا غير من هناك "المعارضة" مع الانتباه إلى أن ما يفكر فيه، أو سقف ما قد يطرحه، يتطابق أو يترجم، ما تعرف بثوابت الإجماع الصهيوني، ولا يختلف جذرياً مع ما طرحه ايهود أولمرت وهو لا يتساوق، مع الحد الأدنى المطلوب، فلسطينياً وعربياً، وليس بإمكان، أي مسؤول أو قائد فلسطيني، القبول به.
قصة الجدر، تظهر في بعد مهم منها، مدى تجذر ذهنية الغيتو، وتحكمها بالعقلية الصهيونية، حيث تبدو الدولة، وكانها تتحول، الى غيتو كبير، وكانما تم تجميع الغيتوهات، من المدن الأوروبية، في غيتو كبير، معزول ومحاصر، ذهنياً ونفسياً، في إطار دولة إسرائيل والسؤال الذي يطرح نفسه، هنا، عن إمكانية، بل واستحالة، صنع السلام، ولو بالحد الأدنى المقبول فلسطينياً وعربياً، مع دولة تتعاطى، مع نفسها، ومحيطها بذهنية الغيتو . ليس أفضل في نهاية المقال من اقتباس ما كتبه ايتان هابير مدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين: "من المحزن أننا بلغنا هذا الوضع، دولة كاملة تعيش خلف الجدران محاطة من كل جهة بمحيط من الأعداء مجرد التفكير بأن هذا هو مصيرنا يخرج الإنسان عن طوره هكذا يتم بناء اسبرطة الجديدة العصرية، نحن الذين تمنينا أن نكون هنا أثينا لا اسبرطة".
"المستقبل"




















