بدأ الدارسون والباحثون التاريخيون في المشرق العربي، في عملهم على إنجاز الأبحاث التاريخية لهذه المنطقة وخصوصاً فلسطين والقدس، التنبه لمسألة على درجة كبيرة من الأهمية، وهي الخروج من إطار الأفكار الاستشراقية. حيث تبين لهم أن تاريخ هذه المنطقة قد كُتب من قِبَل الغرب الاستعماري الذي فعلت فيه المصالح السياسية فعلها، الأمر الذي بات جلياً للباحثين الموضوعيين حتى الغربيين منهم.
ضمن هذا السياق، يندرج كتاب "لواء القدس في أواسط العهد العثماني: الإدارة والمجتمع". الكتاب كما يذكر مؤلفه د.عادل مناع نسخة معدلة من أطروحة للدكتوراه، كان قد قدمها للجامعة العبرية عن "لواء القدس بين حملتين (1798 1831): الإدارة والمجتمع" حيث رأى د. مناع أنه بالرغ من مرور عقدين على كتابة الأطروحة المشار إليها، إلا أنها ظلت تشكل الأساس المتين لفصول هذا الكتاب، وهو ليس ترجمة لتلك الأطروحة، بل كتابة مجددة تضمنت إضافات، وإعادة النظر في بعض الفرضيات والاستنتاجات.
فتاريخ فلسطين بعامة والقدس بخاصة، في القرن الثامن عشر وأوائل القرن الذي يليه، ليس مجرد انعكاسات الأمور في استنبول أو على جبهات القتال العثمانية مع روسيا القيصرية والامبراطورية النمساوية الهنغارية. والحديث عن مرحلة الضعف والتأخر العثماني كفرضية لا تحتاج إلى إثبات، وكأطروحة تفسر العديد من مظاهر لا مركزية الحكم في بلاد الشام، يقزّم دور الأهالي والنخب المحلية في صنع الأحداث. كما أن إشراك العثمانيين للنخب المحلية في الحكم في سبيل نيل تعاونها يصح أن ينظر إليه أيضاً كعامل قوة ومرونة في الحكم لا كمظهر ضعف وتأخر فقط. وجعل الحملة الفرنسية منعطفاً تاريخياً مهماً في تاريخ فلسطين هو نموذج آخر للقراءة الاستشراقية، التي تجعل من دور أوروبا عاملاً أساسياً في تحقيب الأحداث. فهل كانت حملة نابليون على فلسطين فعلاً بداية لمرحلة تاريخية في تاريخ القدس؟ فرضية كان د. مناع متأثراً بها إلى حد كبير قبل عقدين من الزمان، ثم ناقشها وأظهر عدم دقتها في كتابه المعنون "تاريخ فلسطين في أواخر العهد العثماني".
ظلت القدس ونواحي لوائها محوراً أساسياً في هذه الدراسة، وظل هدف البحث رسم صورة المشهد العام لمؤسسات الإدارة العثمانية في لواء القدس، والكشف عن شبكة العلاقات وديناميكيتها التي ربطت أبناء النخب المحلية، من أفنديات القدس ومشايخ لوائها، بممثلي تلك الإدارة.
في هذه الموضوعات بالذات، تم توسيع دائرة الزمان لتشمل الفترة الممتدة منذ أواسط القرن الثامن عشر، أي مرحلة استقرار مكانة تلك النخب في أعقاب ثورة نقيب أشراف القدس لسنتين (1703 1705) تداعيات مهمة على تركيبة النخب المقدسية وعلاقاتها بالدولة وممثليها في استنبول ودمشق وغيرها من العواصم الإدارية. أما أبرز تغيير في تركيبة النخبة المحلية فكان زوال دور عائلة الوفائي الحسيني، وصعود نجم آل غضية الذين صاروا يعرفون بالحسيني، وخصوصاً بعد تولي أبناء فرع عبداللطيف أهم الوظائف العلمية في القدس منذ أواسط القرن الثامن عشر.
أظهرت دراسات سابقة لباحثين عرب وأجانب أن القرن الثامن عشر كان عصر صعود نجم النخب المحلية التي اعترفت بها الدولة العثمانية، وتعاونت معها على إدارة الامبراطورية المترامية الأطراف. وفي بلاد الشام، برز خلال ذلك القرن، دور آل العظم في الشام والزيادنة في فلسطين وآل شهاب في لبنان وغيرهم. هذه النخب كانت سياسية تسلقت سلم الوظائف الإدارية، وأدت دوراً مهماً في حكم المنطقة بالتعاون مع الدولة العثمانية غالباً. أما أفندية القدس ومشايخ ريفها، فلم يتسلقوا أعلى السلم الإداري، وإنما اكتفوا بدور وسط ووسيط بين ممثلي الدولة في القدس (القاضي الشرعي ومتسلم اللواء) وبين الأهالي، أي المجتمع المحلي.
تكشف فصول هذه الدراسة عن دور القدس كمدينة مقدسة أولاها العثمانيون اهتماماً خاصاً منذ قدومهم إلى هذه المنطقة، ولا سيما في فترة السلطان سليمان القانوني (1520 1566). هذا الاهتمام العثماني لم يتوقف خلال القرون التالي، لكنه اتخذ أحياناً مناحي متنوعة اختلفت عن عمليات الاستثمار والإعمار الكثيفة في القرن السادس عشر. وكان أحد أشكال الاهتمام بقدسية المدينة، مثلاً، رفع مكانة القاضي الشرعي في سلك جهاز القضاء العثماني منذ أوائل القرن الثامن عشر. أما أفندية القدس الذين ارتبطت وظائفهم وأعمالهم بسلك القضاء، مثل الإفتاء ونقابة الأشراف ونيابة القاضي، وغيرها، فأدوا دوراً مهماً في حياة المدينة ولوائها يفوق كثيراً حدود الوظيفة الرسمية وصلاحياتها، وما يقال عن الوظائف العلمية يصح أيضاً بالنسبة إلى بعض الوظائف الإدارية وحتى العسكرية منها، المرتبطة بالوحدات المرابطة في قلعة القدس وغيرها من أماكن، مثل الانكشارية الذين صاروا في أغلبيتهم من اليرلية، أي المجندين المحليين. هذه الظاهرة لصعود دور المقدسيين في الوحدات العسكرية ولازدياد دور مشايخ الريف في إدارة نواحي اللواء، ترسم صورة واضحة لعلو شأن النخب المحلية في الإدارة والمجتمع منذ أواسط القرن التاسع عشر.
كانت القدس خلال القرن الثامن عشر وبداية القرن الذي يليه مدينة متواضعة الحجم والسكان، وعاصمة لواء تابع إدارياً لولاة الشام. وقد ركزت الدراسات الاستشراقية على هذا الأمر من أجل الإشارة إلى عدم أهمية المدينة سياسياً، وإلى هامشيتها، بصورة عامة، أيام حكم العرب والمسلمين لها، بما في ذلك أيام العثمانيين. لكن هذه الحقيقة المتعلقة بمكانة القدس السياسية، تظهر جانباً واحداً، وتخفي جوانب أخرى لتلك الأطروحة التي لا تخفى جوانبه الايديولوجية في الصراع بشأن فلسطين. إلا أن هذه الدراسة ألقت الأضواء على جانب مهم من جوانب اهتمام العثمانيين بمكانة القدس الدينية، حيث كانت مكانة القدس الإدارية أعلى كثيراً من كونها عاصمة لواء، وقد انعكست هذه المكانة الخاصة للقدس على مكانة أفنديتها.
[ الكتاب: لواء القدس في أواسط العهد العثماني
[ الكاتب: عادل مناع
[ الناشر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 2008
"المستقبل"




















