دعت مجموعة من الباحثين والديبلوماسيين السابقين الرئيس الاميركي المنتخب باراك اوباما الى اعتماد استراتيجية ديبلوماسية شاملة لمنطقة الشرق الاوسط تعيد تحديد الاولويات الاميركية التي كانت تتمحور على الحرب في العراق في السنوات الست الاخيرة وتركيزها على اجراء مفاوضات من دون شروط مسبقة مع ايران وفق تصور شامل لاحتواء برنامجها النووي ودورها الاقليمي السلبي، ولكن من اجل فتح صفحة جديدة مع طهران، ومواصلة مساعي السلام "بين اسرائيل وجيرانها العرب وتحديدا مع سوريا المتحالفة حاليا مع ايران ووكيليها حزب الله وحماس"، لان احد اهم مكاسب السلام بين سوريا واسرائيل هو "اضعاف النفوذ الايراني في قلب المنطقة، الامر الذي سيخفف الدعم الخارجي لحزب الله وحماس، ويحسن احتمالات الاستقرار في لبنان".
وجاءت هذه التوصيات في كتاب عنوانه "استعادة التوازن: استراتيجية شرق اوسطية للرئيس المقبل"، هو حصيلة تعاون استمر 18 شهرا بين مؤسستين معروفتين للابحاث والدراسات السياسية هما "مجلس العلاقات الخارجية" ومركزه الرئيسي في نيويورك (تصدر عنه دورية "فورين افيرز") ومركز صبان لسياسة الشرق الاوسط التابع لمؤسسة بروكينغز للابحاث، ومركزها واشنطن.
وامس عقد ممثلون للمؤسستين ندوة في مؤسسة بروكينغز تحدث فيها المسؤول السابق ريتشارد هاس الذي يتولى رئاسة مجلس العلاقات الخارجية ومدير مركز صبان السفير السابق مارتن انديك، وغيرهما من المشاركين في التقرير. وكان الباحثون وعددهم 15 قد زاروا عددا من دول المنطقة وعقدوا لقاءات مع قادتها ومفكريها قبل وضع تقويماتهم وتوصياتهم.
ويمكن اعتبار التقرير – الكتاب بمثابة تفنيد شامل لسياسات ادارة الريس جورج بوش ومسلماتها وللاعتبارات الايديولوجية لتيار "المحافظين الجدد" بما في ذلك السياسة الاحادية الجانب، وتلك التي تركز على الخيارات العسكرية الاستباقية والدفع بقوة الى دمقرطة المنطقة قبل ان تنضج الظروف الملائمة لها، وتفادي السعي الجدي الى حل النزاع العربي – الاسرائيلي (حتى السنة الاخيرة من ولاية بوش). ويرى التقرير ان رفض او اخفاق واشنطن خلال السنوات الاخيرة في حل نزاعات المنطقة "قد فتح الباب امام ايران لمحاولة فرض هيمنتها على قلب العالم العربي. وخلال هذا الوقت اكتسبت الولايات المتحدة سمعة الغطرسة والمقاييس المزدوجة".
وينطلق التقرير من مسلمات تقول ان نفوذ اميركا في المنطقة قد ضعف، وهو ضعف ينسجم مع تقلص نفوذها في العالم ككل، كما يتبين من انكماش الدولار، وانتقال الثروات الى دول مصدرة للنفط وبروز دول مثل الصين والهند.
وابرز الفصل الاول المتعلق بالصورة الاستراتيجية للمنطقة والذي كتبه هاس وانديك، ضرورة السعي الى حل النزاع بين الفلسطينيين واسرائيل، خصوصا ان الامل في اوساط الفلسطينيين في اقامة دولة مستقلة قابلة للحياة يتبخر. لكن الخلافات والانقسامات بين الفلسطينيين ومعارضة المستوطنين الاسرائيليين للحل وغيرها من التحديات تجعل التوصل الى حل وتطبيقه امرا صعبا في المستقبل المنظور، وفي المقابل "ان المفاوضات السورية – الاسرائيلية سهلة نسبيا والحكومة السورية اثبتت قدرتها على تطبيق التزاماتها. اضف ان الاهمية الاستراتيجية للمفاوضات السورية – الاسرائيلية ووقعها على الحسابات الايرانية يتطلبان اهتماما سريعا". وقال ان الاسرائيليين مهتمون الان بالانسحاب من الجولان في مقابل السلام مع سوريا لانهم يعتبرون ذلك بمثابة تحول استراتيجي في موقف سوريا، ولان ذلك سيؤدي عمليا الى "كسر التحالف الايراني – السوري".
وخلال الندوة قال انديك ان التقرير لا يدعو الى سياسة "سوريا اولا" على حساب المسار الفلسطيني بل الى "سوريا أيضاً" اي تحريك المفاوضات على مختلف المسارات، بما فيها ايضا المسار اللبناني.
ويدعو التقرير الى اعادة نظر شاملة في سياسة اميركا حيال ايران واعتماد "استراتيجية شاملة" تشمل التفاوض غير المشروط، اولا على مستوى ديبلوماسي مخفوض، والاعتراف بنفوذ ايران في المنطقة ومحاولة التأثير على هذا النفوذ ايجابيا. وتشمل الاستراتيجية التحاور مع ايران في شأن كل الملفات (النووي، الامن في الخليج، دعم الارهاب وغيرها) من دون ربطها بعضها بالبعض، واعادة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين، وتعيين منسق خاص للعلاقة مع طهران. ويدعو كذلك الى مفاوضات مع ايران تقودها اميركا مع حلفائها وتهدف الى مساعدة ايران نوويا سلميا في مقابل توقفها عن تخصيب الاورانيوم وغيرها من النشاطات التي تسمح لها بتطوير القنابل النووية، وفي الوقت عينه ابقاء سيف العقوبات معلقا فوق رأسها، والعمل على تقوية هذه العقوبات وتعزيزها اذا استمرت ايران في رفضها للحوافز الدولية.
وينصح التقرير بعدم لجوء اميركا واسرائيل الى الخيار العسكري خلال المفاوضات مع ايران (نظرا الى فوائده المحدودة ولأنه يمكن ان يتسبب بنزاعات عسكرية تشمل العراق ولبنان والخليج)، لكنه لا يستبعده في المطلق، ويدعو الى مراجعة هذا الخيار اذا وصلت المساعي الجديدة الى طريق مسدود.
والى انديك وهاس، شارك في كتابة الفصول السبعة في التقرير: ستيفن بيدل، مايكل أوهانلن، كينيث بولاك، سوزان مالوني، راي تكيي، بروس رايديل، غاري سامور، ستيفن كوك، شبلي تلحمي، ايزوبيل كولمان، تمارا كوفمان ويتس دانيال بايمن وستيفن سايمن.
واشنطن – من هشام ملحم
"النهار"



















