إلى الصديق اللواء الطيّار، والقائد السياسي عبد الغني عيّاش..
مرّثية طويلة، مفتوحة كجراحنا حين يرتجل الفرسان قهراً، يضيقون بالاختناق فتنفجر أوردة الدماغ أو القلب ويقررون الارتحال.. علّ فضاءات أخرى تحتضن المفقود من الأماني والأبجديات.. علّهم يلتقون الدفء والوطن الذي يغادر مقسوراً، فتدّمع العين، وينقبض الفؤاد، وتملأ الحسرات ما تبقى من وفاء وصدق لبشر عاهدوا فما خانوا، ولا انحنوا، ولا تلوّنوا وتبرقشوا .
هو الزمن العربي القاتل لأبنائه البررة، والقتل أنواع، والاغتيال أصناف، والموت أشكال..والرجال الرجال ترحل نحو الأبدية علّها أكثر حرية وهواء نقياً بعد أن افتقدته الأوطان وضاقت، فاختنقت المسافات، واعتلى الصهيل غبار السراب، فكثر النفاق والدجل، الظلم والظلمة والفساد والإفساد.. فقرر كثير الاغتراب.
يرتحل نسر حماة العملاق مودّعا، مبتسماً، مؤمناً كما عهدناه، صابراً، يعضّ آلام المرض، ويقهر الضعف البشري، وأوجاع العمر المكدّسة، وكأني به على موعد مع الأستاذ، المدرسة، والقائد أكرم الحوراني . كأني به اشتاقه كثيراً، ورفاق الحلم الكبير يلوّحون للنسر… أن آن أوان اللقاء بعد أن منع العسس ذلك في أرض الوطن .. فيهبّ وفاء، كما جُبل، وينهض شباباً جبّاراً نحوهم، قامة مستقيمة لا تعرف الانحناء والاعوجاج والزوغان.. تاركاً المكان الخانق للبعثرة، وانفلات الأماني، وزمان القهر واللخبطة والفوات ..
يسافر النسر إلى السموات السبع : فضاءات مفتوحة لا حدود قطرية ولا أمنية فيها، يستعيد زمن الطيران الأول، يوم كانت الأماني بين الأصابع، وفي مرمى النظر.. فينطلق.. يمسك بالحرية وطناً وحلماً ومخرجاً، ورجاء.. كما أمل وتمنى وعاش وناضل.. فيبكي الصحاب والرفاق. الأهل والشعب.. يبكون حالهم وأوضاعهم، وفراق الكبير.. وكأني بهم وهم يتمتمون عاتبين ملتفّين حول الجسد، يقولون : لمن تتركنا بعدك في هذا القفر يا أبا إياس؟؟..
****
من مياه العاصي شرب المعاني فأدرك المغزى : سلساً لا يعرف التقعّر والتكبّر والتفلسف، أدرك بفطرته الوطنية أن العاصي عاصيٌ على المحتل الفرنسي، والظلم والاستغلال والقيود والسجون والذل، والتجزئة.. فتمرّد.. تمرّد وهو ما يزال فتى.. وصوت الحرية والاستقلال يدوّي فتلتهب حماة ثورة لا تتوقف ضد المستعمر، والطفل يمسك حجر المقاومة ويغطّ رغيفاً تنوريّاً في العاصي، فيمتلئ حماساً رجولياً لا يعرف الحسابات والتحسّب، ولغة الأنا والذات، وثورة رشيد عالي في العراق تنادي شباب الأمة، فيتطوّع للالتحاق بها، والأستاذ يتقدّم الركب، والعمر لا يسمح، لكنه الانتماء المبكر.. يسمع هدير النواعير وهي تعزف ألحان الغد : غد العرب القادم، ويأتي الهدير قويا من (الشباب العربي) ومؤسسه والد الأستاذ أكرم الحوراني: أن هبّوا أيها الشباب فالوطن يناديكم، والأمة في خطر.. فيقرر . يحسم الخيارات هو الذي لا يعرف التردد والحسابات وينتمي روحا وكياناً..ومناضلاً في صفوف ( العربي الاشتراكي)، والوحدة تناغم الاشتراكية ومقاومة الإقطاع، فينتشي فخراً بغد آخر يملك الردّ على سايكس وبيكو، وحكومات الإقطاع والاستغلال، والتخلف، والجيش مدرسة الوطنية والرجولة، فينتمي ضابطاً من أوائل الطيّارين ..
وكما هي حماة مدرسة البطولة والفداء والرجولة، كان (العربي الاشتراكي) ابنها البار، لكنه يتجاوز حدودها إلى القطر، ولمَ لا : الوطن، فتنتشر الأفكار بين الشباب المندفع تدخل الريف والقرى والزواريب الضيّقة ومناطق الفقر، تحطم سجون المذهبية والتكوّر.. فيقبل الريف بقوة وقد أمسك بحبل النجاة، ترتفع رايات الوحدة الوطنية في مشروع قومي نهضوي.. فيلتهب الحماس، ويكثر المؤيدون ، يتلاقى الحلم بالأفكار والواقع فتكبر الحركة وقد باتت قوة معتبرة في زمن قصير..
وفي خنادق مقاومة الدكتاتورية يلتقي البعث العربي والعربي الاشتراكي فيقرران الاندماج في واحدة من الخطوات النادرة التي قلّ مثيلها في تاريخ الحركات والأحزاب، والنسر يتعلّم التحليق الرسمي كضابط طيّار، يزاوج بين مهمة الدفاع عن الوطن وبين حلم تحرير فلسطين وتوحيد الأمة، بين قوانين الضبط والربط وفلسفة العسكر والعَسْكرة وبين الالتزام بالحزب وأهدافه وتعليماته الواضحة برفض الانجرار إلى مسلسل الانقلابات العسكرية، وإلغاء الحياة الديمقراطية، وفلسطين في العين والقلب والمرمى ..
كوكبة عُشق كبيرة تتخرّج من الكلية الحربية، مشبعة بمياه العاصي وأفكار العربي الإشتراكي، ثم البعث العربي الاشتراكي، تزاوج بين الالتزام العسكري والالتزام الحزبي فتحاول إقامة المعادلة الدقيقة بين موقع الجيش والسياسة، والأستاذ مرشد وموجّه، والحزب يعمل على ترسيخ فهمه بأن يكون الجيش أداة الوطن ورأس حربته للدفاع عن الحياض وتحرير فلسطين.. دون اختلال، ودون طغيان العسكري على السياسي.. ( وهي معادلة صعبة طالما مرّت بأطوار، وطالما عرفت تماوجات مختلفة).. والضابط الطيّار عبد الغني عيّاش من بين الضباط الأكثر التزاماً بتوجيهات الحزب.. لكن البلد يمور، والوحدة تندفع زخماً كالطوف تأخذ في طريقها التخوّفات والتحوّطات ودعوات التمهّل والبرمجة، وعبد الناصر يجذب الأماني، وينتصب عملاقاً سحرياً يعيد رواية أساطير افتقاد البطل.. فيحدث اللقاء في غمار الانتشاء، وتتغلب الحماسة على كل شيء، ويلعب العسكر دورهم في التسريع.. فتكون الوحدة الاندماجية أهم وأغلى الإنجازات..وإن كان المهر كبيراً : حلّ الأحزاب وتكريس نوع من الأحادية المتعكزة على هيكل سياسي مصنّع، لموضعة حالة جديدة على الحياة السورية وتجربتها الديمقراطية الوليدة.. فيكون المخاض، ويكون الالتباس، ويحصل الاختلال.. والبعث الذي دفع مهراً كبيراً، عربوناً للوحدة، أول وأكثر المرّتجين داخلياً، والمكتوين بنار الخلاف مع قيادة الوحدة بفعل الذي حدث وما تلا ذلك من نقل يشله الإبعاد وتسريح للضباط، وتهميش القيادات البعثية وملاحقة العديد منهم ، فاستقالة وزراء البعث وحدوث الافتراق وما رتّب، والذي قيل وكتب الكثير فيه وحوله ،فسقوط أهم إنجاز وحدوي حققه العرب في تاريخهم الحديث بطريقة درامية هزيلة وموحية .
ينوخ البعث تحت قرار الحل الذي لم يهضمه عديد أبنائه . يتشقف ( في سورية) أبعاثاً واتجاهات ناصرية، ويفترق(الأساتذة الثلاث)، والأسباب كثيرة، والموجبات أكثر، ويعود الأستاذ أكرم إلى الجذور : العربي الاشتراكي، ومعه جلّ من كان، وعدد آخر من البعثيين.. فتتسع خنادق الافتراق، وتتكرّس في الثامن من آذار/1963/، حين اعْتُبر ومن معه (أعداءً خطرين) على النظام الجديد..يجب سجنهم وملاحقتهم، ولمَ لا تصفيتهم، طالما أن التصفية هي منطق الحال وطريق الانفراد بالحكم، وتكريس الحزب الواحد " قائداً"، ولا أحد غيره، وطالما أن المولود الذي يتكوّن في أحشاء أزمة الوصول وما عرفته من تحالفات هشّة وظرفية، وأزمة ضعف وتشتت البعث، وأزمة العلاقة بين الحزب والمؤسسة العسكرية.. يبحث عن حدوده الخاصة حتى لو خضع الحزب(طائعاً)، أو أُخضع.. لتأسيس تجربة الأحادية ورفض الآخر، ومحاولة قولبة الحزب والمجتمع والبشر وفقاً لمقولاتها ومقتضياتها .
فاتورة كبيرة يدفعها المناضلون الأشدّاء في جميع القوى(وأولهم البعثيون المخلصون)، ومنهم النسر اللواء عبد الغني عيّاش.. المسرّح، والمُجبر على التحوّل إلى السلك الخارجي، كوسيلة إبعاد وفكفكة طالما تمّ اللجوء إليها في كثير من الأحوال، والبعث في ردّ الفعل، وأزماته الداخلية تتفاقم متجددة بألوان مختلفة يظهر فيها الناب العسكري قوياً وطاغياً ..
***
مياه كثيرة جرت في سنوات الصراع بين أبناء الخط الواحد دفع ثمنها الجميع : فرقة وضعفاً وشرذمة ونزيفاً لم يتوقف… وحين قام الأسد بانقلابه على الحزب(ممثلاً بأعلى مؤسسة فيه ـ المؤتمر القومي)/ 13 تشرين الثاني 1970/ كانت ورقة" الجبهة الوطنية" من أكثر الأوراق التكتيكية التي رفعها لترويج الانقلاب، ومنحه نوعاً من شرعية يفتقدها.. هو الذي كان من أشدّ أعدائها عند مناقشتها عدة مرّات في مؤتمرات الحزب القطرية والقومية.. فاستطاع بتلك الجزرة أن يخترق القوى المعارضة، ثم إحداث شروخ كبيرة فيها حوّلت معظمها إلى نتف ومِزق وهياكل فارغة، وكان (الاشتراكيون العرب) في صلب تلك القوى التي وقعت تحت وطأة فعل الجزرة وتأثيرها..فانقسمت( كما حال الجميع) ..لقد خان الأمانة كثير من أبناء الحركة حينما قبلوا إبعاد واستبعاد الأستاذ، والموافقة على التهميش منطلقاً، وعلى مقولة البعث القائد للبلد والجبهة وكل شيء، والشخص المحتكر، والموقع الملحق، فالتشقيف والبعثرة، والتجويف والتجفيف والبهدلة في الاستمرار بتلك المهزلة : " الجبهة الوطنية التقدمية" ..
يأبى النسر، ولفيف هام من الرفاق، خيانة مياه العاصي، ومعاني الانتماء، وصدق الوفاء والالتزام، فامتنع عن دخول (بيت الطاعة) مشدداً على ما يعتبره أساس الأساسات : الحرية والتعددية والمواطنية، واستقلالية الحركة عن السلطة، والإخلاص لألف باء "حركة الاشتراكيين العرب" وموقع ودور كل حزب. وحين كانت المفاوضات تجري لتشكيل تلك"الجبهة" المسخ، كانت مطالب النسر واضحة، بسيطة : تكريس التعددية، ورفض سيطرة أي حزب، بما في ذلك ما كًرّس من حظر ومنع، وعودة الأستاذ أكرم الحوراني إلى البلد وممارسة حقوقه الطبيعية كزعيم تاريخي لحركة الاشتراكيين العرب . وعندما ظهرت نوايا الانقلاب، وبان الهدف من تلك الجبهة، وأصرّ الأسد على رفض المساواة بين الأطراف، وعلى إطلاق الحريات الديمقراطية وعودة الأستاذ.. أبى القائد عبد الغني عيّاش التوقيع على ما يعتبره مسخرة، وفقداناً لأساسات الانتماء والنضال، فاختار موقعه المعارض على رأس حركة الاشتراكيين العرب.. بينما آثر غيره الاستفادة ولو من فُتات ريع السلطة وسيارة المارسيدس.. ولو كان الطوفان، ولو خانوا الأمانة ومياه العاصي، وأبجديات تميّز وتمايز تلك الحركة في تاريخ نضالها الديمقراطي والوطني .
انشقّت الحركة، كما حدث للجميع، لكن المؤمنين بتلك القيّم التي تشرّبوها شباباً واصلوا طريق نضالهم في أصعب الظروف، واختاروا خندق الشعب والمعارضة.. مهما كان الثمن، وكان الثمن غالياً من المطاردة والتضييق وعمليات الخنق والفتك والمنع والتهديد والوعيد، والنسر لا يأبه ولا يهاب..فكان، وحزبه، من أوائل الموقعين على" التجمع الوطني الديمقراطي"(أواخر عام 1979) ومن أكثر المؤمنين بميثاقه، وبعملية التغيير الوطني الديمقراطي التي نادى بها ..مكرّساً ذلك في حركته اليومية وفي نضالاته، ثم في إقامة" إعلان دمشق" كصيغة جامعة.. ليكون القائد عضوا في أمانته العامة، كما هو الحال في قيادة التجمع .
****
حين تبهدل الجناح الذي آثر الانضواء في النظام، وتشقّف إلى عدة تكونات، خاصة بعد وفاة المرحوم عبد الغني قنوت.. انطلقت دعوات التوحيد من بعض الحريصين على وحدة الحركة واستمرارها، وجرت عديد جولات الحوار عبر بضعة أعوام، ورغم أن الجميع كان مجمعاً ومتفقاً على أن يكون الأمين العام للحركة(عند توحيدها) هو القائد عبد الغني عيّاش(كإقرار منهم لموقعه ودوره وصلابته)، إلا أن التوحيد لم يحدث، لأن الاتفاق لم يتم على الجوهر، والجوهر كما يراه الفقيد ورفاقه : استقلالية الحركة عن النظام، ورفض أن تكون إمعة وملحقاً، وجزءاً من الاستبداد وقهر الشعب، وتأكيد التزامها خيار التعددية والتغيير الديمقراطي، والانضمام إلى (التجمع) كصيغة متوازنة، وطريق يمكن أن يعيد للاشتراكيين العرب دورهم ومصداقيتهم التي اختلّت بفعل ممارسة هؤلاء ..كان ذلك شرطه الوحيد، وديدنه..
****
في غمار الانفجار بين النظام و" الحركة الدينية" تعرّفت عن قرب على المناضل والقائد عبد الغني عيّاش . كنّا مطاردين والنظام يبحث عنّا بقوة، واللقاء بالمطاردين ليس عملية سهلة، لكن النسر لا يهاب، فقد جُبل على الإقدام والرجولة.. فأصرّ على ملاقاتنا في أوكارنا بنيّة التعرّف علينا مباشرة، وحوارنا في عدد من المسائل التي يعتبرها حيوية( كان رفاقنا المكلفين بمهام العمل الجبهوي قد التقوا به وبرفاقه مرات كثيرة)، فحدثت عدة جولات من الحوار الصريح، الواضح، الصادق .
كان الراحل مستقيما ينبذ التكتيك والبهورة ومعسول الكلام، والجمل الكبيرة المفخّمة. يتكلم باختصار ووضوح عن أوضاعهم ومعاناتهم ورؤاهم وسياستهم، والتأكيد الذي لا لبس فيه على التعددية والخيار الديمقراطي طريقاً وحيداً لتقدم مجتمعاتنا وتطورها، والخروج من عنق زجاجة الانفجار، وانتهاج طريق واضح بين نهج النظام وما تطرحه "الحركة الدينية"، وأن بلورة هذا النهج هو الرهان والمخرج والأمل.. باختصاره ووضوحه كان يلخص تراث الحركة ويقود أعضاءها في ذلك البحر المتلاطم، فيحافظ عليها، ويجنبها الغرق في وحول من توحّل، أو في متاهات التشدّق، واليأس .
أسئلة كثيرة، عميقة طرحها الراحل يريد الاستيضاح بها عن ذلك النهج الشاب، النقدي، الذي يطرح التغيير في الحزب بدءاً، على قاعدة نقد التجربة، وامتلاك المنهج العلمي، وإسقاط مقولات الأحادية والحزب الواحد القائد.. وتعمّق الحوار بيننا فشمل السابق واللاحق، خصوصاً رؤيتنا للمؤسسة العسكرية وموقعها، وموقفنا من الظاهرات المريضة التي غزت الحزب والمجتمع، ورؤانا للمستقبل ولعملية التغيير التي لا بدّ أن تكون نتاجاً وتتويجاً، وأن الديمقراطية هي الحاضن والمخرج والطريق.. على قاعدة المساواة بين جميع القوى في المسؤولية والمشاركة، وأمور كثيرة شكلت أساس تلك العلاقة المميزة التي ربطتنا بهذا القائد البارز .
وعلى قاعدة الوضوح والصراحة والشجاعة في تناول الأفكار والمواضيع ترّسخت بيننا علاقة متينة، كانت الثقة ديدنها، والمحبة روحها، وقد عبّر الراحل عن ذلك في عديد المرات، وكنا شديدي الاعتزاز بتلك العلاقة، وبما يقوم به القائد في التجمع، وفي إعلان دمشق كركن راسخ لا يتيه عن الهدف، ولا يهتز لعواصف الاحتمالات والمراهنات الظرفية ..
ورغم سنوات الاغتراب القسري، وما عشناه من تماوجات وصراعات داخلية، وما عرفته حركة المعارضة من جزر، وبيات دام سنوات، إلا أننا حاولنا، قدر الممكن، التواصل مع أصدقائنا وحلفائنا، خاصة الصديق الوفي رئيس حركة الاشتراكيين العرب(التجمع). وعندما عُقد المؤتمر القومي العربي في الجزائر، وكان الراحل ضمن الحضور.. جمعتنا وإياه، وعدد من الرفاق في قيادة(التجمع) جلسات طويلة حميمية، صريحة تناولت عديد المسائل التي تهمّ الحالة السورية والعربية، وأوضاع المعارضة، ووجوب انفتاح الجميع على الجميع، وأهمية إقامة الجبهة العريضة التي لا تستثني قوة معارضة، وموقع الديمقراطية كبيت قصيد الوصول إلى مجتمع العدالة والمواطنية والمساواة.. وأمور كثيرة استعدناها من تلك السنوات الخوالي، وأسباب الإخفاق وتضييع بعض الفرص التي أتيحت.. والراحل هو الرجل الذي عرفته في أحلك واشدّ الظروف. كأن السنوات والمحن والضغوط لم تبدّل به شيئاً، فما زال قامة ممدودة تطفح بالجرأة والشجاعة والطيبة وقولة الحق، وما زالت حرارة سنوات الشباب تتدفّق، فيعطي الأصغر عمراً جرعات من الأمل، وحقناً من التحفز لشحذ الهمم، وإزالة صدأ الاغتراب والقنوط والعجز.. واليأس.. وأبو إياس الحميمي، الوفي يتدفّق، خصوصا عندما يتحدث في الذكريات وأيام (الشباب)، وسنوات النضال في الجيش، ومقاومة الدكتاتورية، ورفض التحول إلى انقلابيين، وعلاقته الخاصة جداً بالأستاذ أكرم ، ومواقفه الحازمة الجازمة في أمهات القضايا، خاصة في الوحدة الوطنية، وفلسطين العربية، والعراق المحتل، وأوجاع الأمة وشرذمتها..
يتنهد الراحل وهو يروي ما آل إليه حال البلد والشعب، والأحزاب، والكثير من العيّنات التي عرفها فيما سبق، وكيف صارت، والأخطار المحدقة بالبلد والشعب والأمة، والطائفية السوداء وأمواجها الصفراء المحمولة على أكثر من نعش، وتابوت، وفلسطين(العشق الأبدي)، والعراق العمق الاستراتيجي ووجوب تحريره.. وبين الأماني والواقع ينتفض الثائر همّة وحضوراً وتفاؤلاً.. كأني به يملك مخزوناً هائلاً على المقاومة، كأني به يأبى الخضوع لمنطق الحسابات وموازين القوى، وسيادة الخوف والرهبة والجبن، كأني به يشرب من جديد دفقة من مياه العاصي يستعيد بها أصالة الانتماء، ونقاء الأصل، ووضوح الهدف، وشجاعة الإقدام ..كأني به متأملاً معزوفة النواعير وهي تشدو ذلك اللحن الذي لا يعرف التوقف والتعب..
يرتحل النسر محمّلاً بالكثير من الأماني والأحلام التي لم تتحقق..وهو يأمل أن يلتقي الأحبة والرفاق في فضاء رحب لا يعرف القيود والحدود، وقوانين المنع واللسع والبلع والخلع والشلع.. لكنه، وقبل الفراق يرنوا بابتسامة إلى بعض الشباب الذي تحلّق حول سريره.. كأنه يهمس لهم المواصلة وهو واثق أنهم سائرون على الدرب، وأنهم سيقدرون على حمل الأمانة، وإبقاء راية الاشتراكيين العرب خفّاقة، مميزة .. إلى جانب أخواتها من الرايات الوطنية.. على طريق الجلجلة.. طريق التغيير الديمقراطي الذي لا بدّ من الوصول إلى نهاياته المأمولة مهما طال، ومهما كان وعراً، ومتشعباً ..
الرحمة للراحل الكبير : الرفيق والصديق اللواء الطيار، رئيس حركة الاشتراكيين العرب عبد الغني عيّاش، والعزاء الحار لعائلته : زوجته وولديه ، وأفراد العائلة جميعاً ..
العزاء الحار لرفاقه..رفاق المسيرة المشتركة في حركة الاشتراكيين العرب ..
لأصدقائه ورفاقه في التجمع وإعلان دمشق.. وللشعب السوري الذي فقد برحيله مناضلاً صلباً لا يلين ولا يهتزّ..
جلال / عقاب يحيى
الجزائر 29/1/2010




















