المستقبل – باريس ـ مراد مراد
بدأت الحلقة تضيق اكثر فأكثر على ايران منذ اعلانها بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، اذ أدرك المجتمع الدولي خطورة هذه الخطوة التي تدل على ان ايران اذا كانت تملك التكنولوجيا اللازمة للتخصيب بهذه النسبة، فهذا يعني انها قاب قوسين او ادنى من رفع هذه النسبة مستقبلا الى 90 في المئة وهي النسبة الكافية من اليورانيوم الصافي لإنتاج القنبلة النووية.
وبحسب الخبراء، فإن صعوبة انتاج اليورانيوم الصافي هي في بداية تخصيبه (اي على مستوى النسب المتدنية) ولكن في حال تم عبور الخطوات الاولى، فإن رفع نسبة التخصيب يصبح أسهل وأسرع بكثير. وكانت ايران علقت تخصيبها اليورانيوم على نسبة 3،5 في المئة. ولهذا فقد أثار اعلانها الاخير عن بدء التخصيب بنسبة 20 في المئة نوعا من الذعر في الاوساط الدولية التي اعتبرت أنها خدعت مرة جديدة من قبل الايرانيين بعدما كان هؤلاء اكدوا خلال جلسة الحوار مع الدول الست الكبرى في تشرين الاول (اكتوبر) الفائت أنهم لا يملكون القدرة على تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة وهي النسبة الكافية لانتاج قضبان الوقود اللازمة لتشغيل مفاعل طهران للأبحاث من اجل اهداف طبية.
واستغربت بريطانيا امس التصريحات المتناقضة التي تصدر عن النظام الايراني بين الحين والآخر بشأن برنامجها النووي، ودعت لندن طهران الى الابتعاد عن سياسة التناقضات هذه والى التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي بشكل بناء. وكررت فرنسا موقفها الذي اعلنته خلال زيارة وزير الدفاع الاميركي روبرت غايتس الى باريس، وهو أن الوقت حان لتشديد العقوبات على ايران من اجل حملها على العودة الى طاولة المفاوضات وصولا الى التخلي عن طموحاتها العسكرية النووية.
وأصدرت وزارة الخارجية البريطانية بيانا رسميا أعربت فيه عن قلقها البالغ ازاء التصريحات المتناقضة الصادرة عن النظام الايراني. واكد البيان "قال الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الاسبوع المنصرم ان ايران ربما تقبل عرض الوكالة الدولية للطاقة الذرية (الذي طرح في تشرين الاول (اكتوبر) 2009) لإرسال الوقود النووي الى الخارج لتخصيبه. لكن، بعد ايام قليلة عاد ورفض هذا العرض وامر بأن تزيد ايران من تخصيبها اليورانيوم الى نسبة 20 في المئة".
وأوضح البيان ان "هذه التصريحات الاخيرة الصادرة من ايران تقلقنا بشكل بالغ. فخلافا لتأكيدات ايران، التي زعمت في السابق انها غير قادرة على تخصيب اليورانيوم لاستخدامه في مفاعل طهران للأبحاث لأنها لا تملك التكنولوجيا اللازمة لتصنيعه كي يستعمل كقضبان وقود. نراها اليوم تبدأ برفع تخصيب اليورانيوم الى نسبة 20 في المئة. إن التخصيب الى 20 في المئة سيعمل على زيادة الشكوك والمخاوف من برنامج نووي ليس له اهداف مدنية في بلد يقوم بإنشاء مفاعلات نووية سرا ويرفض الاجابة على اسئلة الوكالة الدولية بشأن النشاطات المتعلقة ببرنامجه هذا".
واختتمت لندن بيانها "لقد حان الوقت لإيران كي تبتعد عن التصريحات المتناقضة هذه وان تبدأ بالتعاون البناء والملتزم مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والمجتمع الدولي. ايران تحتاج الى ازالة المخاوف المشروعة من برنامجها النووي وان تبدأ العمل على استعادة الثقة الدولية بنواياها".
وفي باريس، كرر الناطق باسم الخارجية الفرنسية برنار فاليرو ما صدر عن قصر الاليزيه بأن خيار الحزم والعقوبات هو الخيار الوحيد المتبقي للتعامل ايران. وقال "نحن نريد الحوار ولكن لإجراء حوار هناك حاجة لطرفين وليس لطرف واحد. ولهذا نحن نعمل الآن اكثر فأكثر على استخدام الخيار الثاني المتبقي وهو سياسة الحزم وهذا ما اكده الوزير كوشنير منذ يومين وكذلك وزير الدفاع هيرفيه مورين".
وأشار فاليرو الى ان "الوكالة الدولية تنتظر جوابا رسميا من قبل ايران بشأن الوقود وخلال هذه الفترة من الانتظار ايران ما تزال تعمل على انتاج اليورانيوم وتواصل العمل في برنامجها النووي". وأوضح الديبلوماسي الفرنسي ان "المشكلة مع الايرانيين تكمن في ان الجميع هناك يصرح. اليوم نسمع تصريحا من وزير الخارجية منوشهر متكي وغدا من الرئيس احمدي نجاد وبعد ايام من مسؤول آخر وفي معظم الاحيان تأتي تصريحاتهم متناقضة وكأنك تسير في متاهة. وهذا ما يحدث منذ اشهر تصريحات وتصريحات متناقضة ومن مسؤولين مختلفين".
واختصر فاليرو الموقف الفرنسي والدولي بالقول "ان برنامج التخصيب الايراني لا اهداف سلمية واضحة له وينتهك خمسة قرارات دولية وما يزيد في الطين بلة التصريحات الاخيرة للرئيس الايراني الذي اعلن عن بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة، وهذا ما زاد في المخاوف والشكوك الدولية. حتى الآن لم ترد ايران على العروض التي قدمت لها من قبل الوكالة الدولية والدول الست. نظرا لهذا وعملا بمسار التعامل ذي الوجهين الحوار والحزم الذي تعتمده الدول الست (فرنسا وبريطانيا والمانيا وروسيا والصين والولايات المتحدة) مع ايران فإنه لم يتبق لنا سوى سوى التنسيق مع شركائنا من اجل اتخاذ تدابير اكثر حدة بحق ايران (العقوبات)".
وبشأن تأكيد كوشنير على ان الايرانيين غير قادرين على انتاج وقود نووي من اجل مفاعل الابحاث في طهران، أوضح الناطق الثاني باسم وزارة الخارجية الفرنسية رومين نادال ان "هذا التأكيد لم يصدر بالدرجة الاولى عن الوزير كوشنير بل صدر اصلا عن النظام الايراني الذي تذرع بأنه يريد انتاج وقود نووي لمفاعل الابحاث ولهذا السبب اقترحت عليه الوكالة الدولية تزويده الوقود النووي اللازم ولهذا جرت المفاوضات على مدى ثلاثة ايام في فيينا بين الوكالة وايران في منتصف تشرين الاول (اكتوبر) الفائت بحضور مندوبين من الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا. لقد قال الايرانيون بشكل واضح حينها انهم لا يملكون القدرة على تشغيل مفاعل الابحاث من اجل اغراض طبية. يجب عدم الخلط في الكلام بين الغايات السلمية والاخرى العسكرية للبرنامج النووي الايراني. الايرانيون زعموا انهم يحتاجون للوقود النووي لتشغيل مفاعل طهران للأبحاث من اجل اهداف طبية وكانت هذه احدى النقاط الاساسية التي دار الحوار بين الدول الست وايران حولها ايضا في اجتماع جنيف في اول تشرين الاول (اكتوبر) 2009".
واكد فاليرو لـ"المستقبل" تعرض السفارة الفرنسية في طهران لهجمات من المحتجين الباسيج وهو امر كانت تريثت باريس في تأكيده اول من امس. وقال الديبلوماسي الفرنسي "ان عددا من السفارات تعرضت للاعتداء (اول من امس) وبينها ليس فقط السفارة الايطالية بل الفرنسية ايضا. هذه اعمال غير مقبولة ونحن ندينها ونستنكرها بمنتهى الحزم".
وفي روما، دعا وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني امس الى تسريع استصدار قرار في مجلس الامن يشدد العقوبات على ايران. ويأتي الموقف الايطالي كردة فعل على المسيرة العدائية التي قام بها عناصر الباسيج ضد السفارة الايطالية في طهران اول من امس. وصرح فراتيني امس "اعتقد ان الوقت حان لفرض عقوبات جديدة على ايران. اعتقد ان المجتمع الدولي يمر اليوم بامتحان لصدقيته فإذا لم يكن في إمكاننا اتخاذ موقف موحد فإننا سنبرهن هنا عن ضعفنا في حين تواصل ايران تخصيبها اليورانيوم". واعرب فراتيني امام مجلس الشيوخ الايطالي عن انزعاجه الكبير من الاعتداء الهمجي الذي تعرضت له سفارة بلاده في طهران اول من امس.
وكان الرئيس الاميركي باراك اوباما اكد اول من امس ان المجتمع الدولي سيمضي قدما وسريعا في فرض عقوبات جديدة على ايران تكون اكثر فاعلية. وشدد اوباما على ان رفض ايران عرض الوكالة لتزويدها الوقود النووي من اجل الاغراض السلمية يزيل اي شك في ان الغاية الاساسية لإيران من وراء برنامجها هو امتلاك السلاح النووي. واشار الرئيس الاميركي ووزير الدفاع روبرت غايتس الى ان استصدار قرار من مجلس الامن بفرض هذه العقوبات سيستغرق اسابيع وليس شهورا.
وكان مصدر ديبلوماسي اكد لـ"المستقبل" على هامش مؤتمر لندن الخاص بأفغانستان اواخر الشهر الفائت ان العقوبات ستستهدف بالدرجة الاولى "الحرس الثوري الايراني والبنوك والمؤسسات المالية الايرانية".
وما يزيد من جدية التوجه الى سياسة الحزم، الاعلان الذي صدر عن موسكو اول من امس ايضا والذي اكد أن روسيا قد تؤيد رزمة عقوبات دولية جديدة ضد ايران تحمل الرقم 4 بعد صدور ثلاثة قرارات سابقة عن مجلس الامن فرضت عقوبات مختلفة على ايران هي 1737 (23 كانون الاول ديسمبر 2006)، 1747 (24 آذار مارس 2007) و1803 (الثاث من آذار مارس 2008).
وتعمل الديبلوماسية الغربية بشكل مكثف لإقناع الصين بتبني العقوبات الجديدة ضد ايران ويأمل المسؤولون الاميركيون والفرنسيون ان يتم هذه الامر في الاسابيع المقبلة خلال فترة رئاسة فرنسا لمجلس الامن والتي تنتهي مع نهاية شهر شباط (فبراير) الجاري.




















