لا شك أن بداية الألفية الثالثة طرحت ميزاناً جديداً للقوى الدولية، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، باعتبار أن اختلال ميزان القوى طرح ضرورة ظهور قوة جديدة موازية. ومنذ بداية القرن الحادي والعشرين، بدأ الدور الصيني في السياسة الدولية يتنامى بشكل ملحوظ، مترافقاً مع تنامي القدرات الاقتصادية والصناعية للعملاق الأصفر.
وإذا كانت الإدارة الأميركية السابقة بقيادة جورج بوش، قد لجأت لنشر قواتها وقواعدها في اتجاه الصين، بدءاً من أفغانستان وبعض بلدان وسط آسيا، مروراً باليابان، فإن إدارة أوباما قررت اتخاذ سبيل أكثر مباشرة.
حيث بدأت بتسليح قوات حكومة تايوان، إذ منحت وزارة الدفاع الأميركية شركة «لوكهيد مارتين» عقدا لبيع أسلحة تصل قيمتها إلى 4 .6 مليارات دولار، تتضمن 30 مروحية من طراز «أباتشي»، و330 صاروخ «باتريوت».
وتعد هذه أكبر صفقة أسلحة إلى تايوان منذ توقيع بكين وواشنطن «بيان 17 أغسطس»، الذي ينص على أن الولايات المتحدة لن تسعى إلى اتباع سياسة طويلة الأجل لبيع الأسلحة إلى تايوان، وأنها ستقوم بتخفيض مبيعات الأسلحة هذه تدريجياً.
ويأتي هذا القرار عقب إصدار الصين والولايات المتحدة بياناً مشتركاً، خلال زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى بكين في نوفمبر الماضي، تعهدت فيه الدولتان باتخاذ «خطوات ملموسة» لدفع العلاقات «الموثوق بها» بين الجيشين قدما.
وعبرت وزارة الدفاع الصينية عن استيائها البالغ ومعارضتها الحازمة لمبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان، ودعت واشنطن إلى احترام المصالح الصينية، وحذرت من إصرار الجانب الأميركي على خطة مبيعات الأسلحة، الذي سيؤدي إلى الإضرار بالعلاقات بين البلدين، والسلام والاستقرار عبر مضيق تايوان.
وطالبت بكين بإيقاف مبيعات الأسلحة إلى تايوان، واتخذت قراراً بتعليق الحوار في المجال العسكري، وإلغاء الزيارات بين القوات العسكرية الصينية والقوات العسكرية الأميركية. وقد أعلن نائب وزير الخارجية الصينية هي يافاي، أن بكين ستفرض عقوبات على الشركات الأميركية التي تنوي بيع الأسلحة إلى تايوان.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أعلن المتحدث باسم الإدارة الأميركية أن الرئيس أوباما سيلتقي مع دالاي لاما الزعيم الروحي للتبت، على الرغم من موقف الصين المعارض لهذا اللقاء، متجاهلاً حساسية القضايا المتعلقة بالتبت، بالنسبة للحكومة الصينية، ما اعتبرته بكين خطوة نحو الإساءة للعلاقات بين البلدين.
ويصعب القول ان واشنطن بدأت حربها على الصين، عبر فرض حصار عسكري وسياسي من خلال هذه القرارات، إذ إن الصين ما زالت تعتبر أكبر شريك اقتصادي للولايات المتحدة.
ولكن المهمة الملحة أمام البيت الأبيض، والتي تتمثل في فرض حصار على إيران وتكثيف الضغوط عليها لإيقاف برنامجها النووي، تحتاج دعماً صينيا، بعد أن توصلت واشنطن وباريس لتفاهم مع موسكو بضرورة فرض عقوبات إضافية ضد إيران، خاصة أن الصين لا تزال تعارض تشديد العقوبات على طهران، وتدعو لمواصلة الحوار.
وهو ما كشفت عنه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون، التي أعلنت أن ضغوطا «قوية للغاية» تتعرض لها الصين، للموافقة على فرض عقوبات جديدة على إيران.
ولا شك أن الخطوات الأخيرة التي اتخذتها واشنطن تضرب عصفورين بحجر، وهما الضغط على بكين، وبدء سياسة الحصار.
ولكن تظل الأولوية في المرحلة الراهنة لإغلاق الملف الإيراني، إذ لا تستطيع الولايات المتحدة فتح عدة ملفات صدامية من هذا النوع، في ظل ظروف الأزمة المالية، خاصة إذا كانت هذه الإجراءات ستطال أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لها، بعد أن رفضت بكين المقترح الأميركي حول تشكيل «ثنائي كبير» بين الصين والولايات المتحدة.
غير أن الوضع الراهن يرجح عدم رضوخ الصين للضغوط الأميركية، بل ويكشف أن بكين تستعد لاحتمال حدوث مواجهات من هذا النوع، من خلال اعتمادها على حلفاء إقليميين، مثل روسيا التي تمد الصين بالغاز والنفط والمعدات العسكرية، وتقوم بتشييد عدة مفاعلات ذرية في المدن الصينية.
ولعل سياسة الانفتاح على الجيران، التي تبنتها الخارجية الصينية منذ بداية القرن الحالي، شكلت خطوة أساسية في خطة بكين، لإفشال أي حصار يمكن أن تحاول القوى الغربية فرضه عليها.
كاتب ومحلل سياسي أوكراني
vladi1949@mail
"البيان"




















