نشر موقع "أخبار سورية" مقالاً للسيد سليمان الكيال بعنوان : "الفيس بوك والبروكسي في سوريا" يُحذرنا فيه من مخاطر تصفح موقع الفيس بوك لأنه حسب تعبيره "يحوي في زواياه خفايا استخبارية صهيونية مهمتها تجنيد العملاء والجواسيس للكيان الصهيوني" وأن تلك الخفايا اللئيمة والسلبية المختفية وراء صفحات ( الفيس بوك )" هي خفايا "مميتة" نظراً لما " يحتويه من تفاصيل حياتية و معلومات شخصية لمستخدميه بعيداً عن الرقابة" ثم يضيف الكاتب أن قيام بعض الدول العربية ومن بينها سورية بحجب بعض المواقع الإلكترونية ومنها موقع "الفيس بوك " يهدف :" لحماية أجيال الوطن وشبانه من براثن العدو ومخالبه الخبيثة". وقد أثار هذا المقال سيلاً من التعليقات أجمعت في معظمها على رفض المبررات التي ساقها الكاتب لحجب "الفيس بوك"، ولم يحظ الكاتب سوى بتأييد تعليق أو تعليقين على الأكثر، أما باقي الردود والتعليقات فقد أجمعت على رفض مبدأ الحجب بشكل عام، كما أعربت عن أسفها لهذا الاستخفاف بعقول الناس، والتعامل معهم على أنهم أطفال لا يستطيعون التمييز بين ما هو صالح وما هو طالح، فكتب أحد المعلقين مثلاً : " والله أول ماشفت المقال، ما حسنت أمسك حالي من الضحك. يعني اللي باليابان ولا اللي بالنروج كتير سمعانين بإسرائيل و صهيونية و هالحكي الفاضي. أصلاً الفيس بوك فيه كتير حملات ضد إسرائيل وضد الظلم يعني يمكن لأنو فيه مساحة حرية ما عم يقدر الكاتب يستوعبا" وقال أخر : " الحل برأيي أولاً هو فك الحجب. بدل النصائح التي لا تفيد إلا بإصرار بعض الشباب اللذين لا يدخلون الموقع إلا فك الحجب ودخوله. وبدلاً من هذا نقوم بتوعية الشباب من المخاطر المحتملة المذكورة. وأظن إن شبابنا فيهم من الوطنية والفهم ما يجعلهم مدركين لما يقومون به. أعود وأكرر إن أهم شيء هو التوعية مثلاً من خلال دروس المعلوماتية بالمدارس أو الجامعات. ومن المنتديات والصحف الالكترونية ". وأكد أحد المعلقين :" مع الأسف الرقابة تحجب الفيس بوك لآثاره التي تعتبرها متخفية وخطيرة وتترك بين أيدي الشباب ملايين المواقع الإباحية التي استحالت السيطرة عليها.مع العلم أن مشكلة الحجب لا تقف رادعاً أمام شبابنا فطرق الدخول إلى الفيس بوك واليو تيوب لا تعد ولا تحصى.أرجو إزالة الحجب." وقال آخرون : "بدل حجب هذا الموقع و مقاطعته، لماذا لا نستعمله لمصلحتنا بحيث يكون وسيلة لنعرّف العالم علينا؟
ومع أن الكاتب اعترف أن الكثير من الشباب يدخلون إلى المواقع المحجوبة ومنها "الفيس بوك" بفضل خدمة البروكسي التي توفرها الكثير من المواقع المنتشرة على الشبكة العنكبوتية إلا أنه مع ذلك يرى في سياسة الحجب بأنها طريقة ناجحة لحماية أبنائنا مما تخبئه تلك المواقع، ولم يكتف بذلك، بل ختم مقالته بتوجيه الشكر إلى الجهات المختصة لحجبها موقع "الفيس بوك".
ألم يسأل الكاتب نفسه كم من الأموال الطائلة تكلف عملية الحجب التي يُثني عليها ويشجعها؟ وهل ستجدي سياسة الحجب تلك مع تسارع التطورات العلمية المذهلة وتحول العالم إلى قرية صغيرة منفتح على بعضه البعض يتناقل الأخبار والتحقيقات والمنجزات العلمية بالصوت والصورة؟ وهل ستنجح تلك السياسة التي يمتدحها الكاتب في منع شبابنا من البحث بشغف زائد عن الطريقة الأنجع للوصول إلى المواقع المحجوبة ومنها موقع "الفيس بوك"؟
تُرى لو تم توظيف تلك الأموال في تطوير قطاع التربية والتعليم، هذا القطاع الذي يحتاج إلى مزيد من الرعاية والاهتمام، أما كان أجدى وأنفع من أن تذهب تلك الأموال هباء وبلا طائل؟ ولو أن تلك الأموال صُرفت في فتح طرق الحوار مع شبابنا وأبنائنا، تتلمس همومهم ومشاكلهم، أما كنّا وفرنا عليهم وعلينا الكثير الكثير من الجهد والمال؟؟
وهل فعلاً أن شبابنا وأبناؤنا مازالوا قاصرين عاجزين عن التمييز بين ما هو صالح أو مضر لهم؟ وإذا كان الأمر كذلك وهو ليس كذلك، أليس أنفع لنا أن نصرف تلك الأموال والمجهودات على تطوير نظامنا التربوي والتعليمي الذي مازال يقوم على سلطوية المعلم أو الأستاذ الذي يلقي ويلقن، وسلبية التلميذ الذي يتلقى ويدون..من أن نصرفها في حجب هذا الموقع أو ذاك أو في تلقين الناس ما يجب أن يفعلوه وما يجب أن يتجنبوه؟
بالعلم لا بالحجب نُحصّن أولادنا وأبنائنا، ونشجعهم على التساؤل والتفكير، ونحصنهم من الوقوع في الخطأ، ونمكنهم من الإبداع والابتكار والاختراع. لذلك فإن المهمة الملحة والضرورية التي تنتصب أمامنا اليوم هي المبادرة إلى إعادة النظر في أوضاعنا المتخلفة، والتشمير عن السواعد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والسعي إلى مواكبة ركب التطور الحضاري والعلمي الذي تكاد آثاره تغيب ليس عن أنظارنا في سورية وحسب، بل وعن أنظار الجميع في البلدان العربية أو ربما غابت، فالفارق الحضاري والعلمي إلى ازدياد بيننا وبين الدول المتطورة التي لا تسير في مقدمة هذا الركب فقط، لا بل وتقوده أيضاً. ولن نستطيع اللحاق بهذا الركب بدون إصلاح أحوال التعليم في سورية والعالم العربي يكون هدفه الأول والأخير تطوير وتشجيع التفكير النقدي، وإقامة نظام عقلي للقيم يحترم النظام ويشجع العمل الجماعي المؤسساتي، ينطلق من تركيز الاهتمام على التعليم الابتدائي بشكل أساسي وتحرير التعليم الجامعي من القيود البيروقراطية والسياسية. وتحرير الفكر العربي من الغيبيات التي تحاصره من كل الجهات، على أن يترافق ذلك بقيام إعلام حقيقي يكون هدفه المحوري هو تشجيع التفكير النقدي وإدارة حوارات حضارية والارتقاء بالعقول وطرائق التفكير. وتكريس مبدأ احترام سيادة القانون الذي يجب أن يسري على كل فرد في المجتمع بغض النظر عن مركزه أو طائفته أو دينه أو خلفيته الاجتماعية واحترام حريات الناس وحقوقهم، وأن يرتكز كل ذلك على أساس مبدأ المواطنة بغض النظر عن اللون والجنس والعرق والانتماء الديني أو السياسي..




















