قامت دولة إسرائيل في الشرق الأوسط بدعم غربي بدأته بريطانيا في وعد بلفور وأكملته أمريكا المسيحية البروتستانتية المؤمنة بأرض الميعاد , وقد سارت الأمور سمنا على عسل – منذ قيامها وحتى الآن – بين الغرب الداعم لها كقاعدة متقدمة للحفاظ على مصالحه الحيوية في هذه المنطقة , وساعده على ذلك ظهورها بمظهر الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة أمام شعوبه. لكن الصورة بدأت تهتز بعد انهيار النظام العالمي القديم , وظهور نظام عالمي جديد , العالم فيه قرية كونية واحدة تقريبا وسوق واحدة تتحقق فيه مصالح الدول عبر نشاطها الاقتصادي أكثر مما تتحقق فيه عبر نشاطها العسكري , ترافق مع النظام العالمي الجديد أزمة اقتصادية واجتماعية كبيرة فرضت نفسها على العالم, ساهم فيها تاريخ الجنس البشري وما راكم من حضارة تدعو الى قيادة العالم عبر الديمقراطية وحقوق الإنسان , وتنبذ القوة كقابلة للتاريخ ومولد كل جديد كما كان الأمر في السابق .
من هنا بدأت الأزمة بين أمريكا وإسرائيل , وتجلت على يد الإدارة الأمريكية الجديدة , لم تعد لأمريكا كقوة عظمى مصلحة في تدليل اسرائيل و دعمها ضد تمردها على الشرعية الدولية ’ وهي التي تقود هذه الشرعية ! ولا دعم ديكتاتوريات المنطقة كما كانت عليه الأمور أيام الحرب الباردة . لقد أصبحت مصلحتها في إيجاد شرق أوسط ديمقراطي تعتمد فيه حكوماته على شعوبها لكي يتم تنمية اقتصادية واجتماعية تدعم الاقتصاد العالمي وتجفف منابع الإرهاب . ولكن مصلحة اسرائيل على العكس تماما حيث أن مقتل هذه الدولة هو في قيام محيط عربي ديمقراطي حولها . حين ذاك لن يبقى لتفوقها العسكري معنى , وستخسر دعم الشعوب الحضارية بحجة تفوقها الديمقراطي , ولن تستطع فرض شروطها على محيطها كما في السابق . يمكن ان نأخذ الموقف من إيران مثالا (كونها دولة شرق اوسطية تدعي التصدي للصهيونية ). تعمل الادارة الأمريكية الجديدة بكل قواها لحل الأزمة سلميا في ايران , وقد أعلن اوباما صراحة انه لا يريد إعطاء مبرر للقيادة الإيرانية كي تضعف الإصلاحيين بحجة تعاون الغرب معهم , فاعتبره ( قبل الضغط عليه) شأن داخلي . وفي ذلك حكمة ما بعدها حكمة من الإدارة الجديدة , فنجاح الاصلاحيين في ايران سيجلب معه رياح التغيير الديمقراطية للشرق الأوسط ويشجع الشعوب العربية الخانعة للتمرد على حكامها والمطالبة بالاصلاح كما هو الحال في ايران , وستتعاون ايران الجديدة بقيادتهم مع العرب والإدارة الأمريكية الجديدة لحل مشاكل المنطقة والعالم بشكل ايجابي بدلا من قعقعة السلاح. لكن اسرائيل ومن في صفّها داخل أمريكا لا يريدون انتصار الاصلاحين في ايران , فانتصارهم يقضي على مصالحهم في الشرق الأوسط ويحرم اسرائيل من عدو وهمي يهددها في محوها عن الخارطة , وبالتالي يعطيها المبرر أمام العالم للتمسك بترسانتها العسكرية, اسرائيل تدفع بكل قوة من اجل حل عسكري للملف النووي الايراني وهو مخرج حقيقي للمحافظين فيها من أزمتهم الداخلية الحالية ويمدهم بدم جديد .
كان من المفروض ان يتوصّل الى هذه الرؤيا أولاً دعاة المنهج الجدلي – اليساريون العرب –فيفصلون بين مصالح أمريكا واسرائيل ويغّذون هذا التناقض خدمة للقضية العربية . ولكنهم اثبتوا أنهم أصوليون بامتياز , فما زالوا يضعون امريكا والغرب واسرائيل في خانة واحدة وما زالوا يروجون لبرنامج المقاومة المسلحة للمشروع الصهيوني التي تدعمه وتديره الامبريالية الأمريكية .
في أول أيام الحرب الهمجية على غزة كتبت مقالا بعنوان – حماس ترشق اسرائيل بحذائها – قلت فيه : ان زمن الفروسية قد ولى , وان التصدي لاسرائيل بنفس الطريقة السابقة من المقاومة لن يجلب لنا سوى الكوارث . وقد اتهمني الكثير من "المناضلين الأشاوس " أنني أقف مع اسرائيل ضد أهل غزة وقضيتهم . واعتقد انهم ذاتهم سيقولون في هذا المقال كما قالوا في السابق أنني من مناصري مدرسة – الصفر الاستعماري – لأن هؤلاء ما زالوا أمينين لثوابتهم .
– اللاذقية




















