ينطلق بندكت أندرسن في تأملاته حول القومية من قناعة مفادها أن الهوية القومية أو الانتماء إلى أمة، وكذلك القومية، هي نتاجات ثقافية من نوع محدد، يتطلب فهمها – كما ينبغي – إمعان النظر في كيفية بروزها إلى حيّز الوجود التاريخي، وكيفية تغير معانيها مع الزمن، وما يجعلها تحوز اليوم على ما تحوزه من شرعية وجدانية عميقة. ويحاول تبيان أن خلق هذه النتاجات منذ نهاية القرن الثامن عشر كان الخلاصة العفوية التي نتجت عن تقاطع معقّد بين عدة قوى تاريخية، لكنها ما إن خلقت حتى غدت قياسية، أي قابلة لأن يعاد زرعها، وأقلمتها، بدرجات مختلفة من وعي الذات، في مختلف الأقاليم، التي تحتضن ضروباً من التربة الاجتماعية الشديدة التباين، وقابلة كذلك لأن تندمج ضمن تشكيلات سياسية وإيديولوجية شديدة الاختلاف. وعليه ينصب الجهد على تبيان الأسباب التي جعلت هذه النتاجات الثقافية المحددة تثير ما أثارته، ومازالت تثيره، من أصناف الارتباط العاطفي العميق.
يبدأ أندرسن بتفحص مفهوم الأمة وصعوبة تعريف القومية، والارتباك الذي يصيب منظري القومية أمام متناقضات ثلاث، يحددها أولاً في الحداثة الموضوعية التي تبدو عليها الأمم في عين المؤرخ مقابل القِدم الذي تبدو عليه في أعين القوميين؛ وثانياً في الكونية الشكلية التي تتسم بها الهوية القومية، بوصفها مفهوماً اجتماعياً ثقافياً، من حيث إنه يمكن لأيّ كان في العالم الحديث أن تكون له هوية قومية، مقابل الخصوصية العُضال التي تتسم بها تجلياتها الملموسة؛ وثالثاً في القدرة السياسية التي تتمتع بها القوميات مقابل فقرها الفلسفي، بل وعدم تماسكها. والمراد هنا هو أن القومية، أو بالأحرى، الإيديولوجيا القومية، لم تنتج مفكرين كباراً، من أمثال هوبز وتوكفيل وماركس وفيبر وسواهم.
ويتمحور هدف الكتاب على تقديم اقتراحات يمكنها أن تفضي إلى تأويل أكثر إقناعاً لما تمثله القومية من خروج على القياس، أي بالافتراق عن ما قدمته كل من النظرية الماركسية والليبرالية، حيث مثلت القومية للنظرية الماركسية ذلك الخروج على القياس أو الشذوذ المزعج، الأمر الذي دفع إلى تجاهلها بدلاً من مواجهتها. وهذا يفسر قول ماركس في عام 1848: "على البروليتاريا في كل بلد أن تحسم الأمور مع برجوازيتها الخاصة أولاً"؟ واستخدام الماركسيين مفهوم "البرجوازية القومية"، طوال أكثر من قرن، من دون القيام بأي محاولة نظرية جدية في تبرير أهميته.
ويقدم أندرسن تعريفه الخاص للأمة، بوصفها جماعة سياسية متخيلة، يتضمن تخيلها أنها محددة وسيدة أصلاً.
هذا التعريف المأخوذ بروح أنثروبولوجية، لا يجعل من الجماعة المتخيلة جماعة خيالية، بل حقيقية وواقعية، لأن تخيلها يجري بأدوات واقعية، حسبما يكتب عزمي بشارة في مقدمة الطبعة العربية للكتاب، والذي يرى أن الأمة جماعة أوّلانية، وشائجية، يولد الإنسان ويُعرف بصفته عضواً فيها. والأمر الأهم في تعريفها التاريخي يتمثل في أن الإنسان عضو فيها وليس فرداً مستقلاً بقراراته الذاتية، إذ يعتبر انتماءه للجماعة المكون الأساس في شخصيته، وهو انتماء من نوع الانتماءات إلى جماعة، إلى "أهل" أو"أهلية". أي أنه من نوع الانتماءات التي تتضمن تعريفاً للذات وللهوية وولاءً شخصياً ومحبة واستعداداً للتضحية، لأن ما يميز مثل هذه العلاقات هو المحبة وليس المصلحة.
ويعارض أندرسن ما قدمه إرنست غلنر حين اعتبر "القومية ليست يقظة الأمم على وعي ذاتها: إنها تخترع الأمم حيث لا وجود لها"، معتبراً أن العيب في هذه الصياغة يتمثل فيما يبديه غلنر من قلق شديد لأن يبيّن أن القومية تتحجب وراء مزاعم زائفة مما يدفعه لأن يحول "الاختراع" إلى "تلفيق" و"زيف"، وليس إلى "تخيّل" و"خلق". وبذلك يكون ما يعنيه أن هنالك جماعات تمتاز عن الأمم إذ تُقارن معها بأنها "حقيقية"، مع أن كل الجماعات التي تفوق في حجمها حجم أبسط القرى القائمة على التماس والاتصال المباشرين هي جماعات متخيلة، ولا يجب التمييز بين الجماعات تبعاً لزيفها أو أصالتها، بل تبعاً لنمط تخيلها.
ويقرر أندرسن بأنه لمن قصر النظر أن يحسب أن أمر جماعات الأمم المتخيلة لا يتعدى خروجها من أحشاء الجماعات الدينية والملكيات السلالية وحلولها محلها، لأن انهيار الجماعات، واللغات، والسلالات المقدسة، كان يخفي تحته ما كان يعتري طرائق إدراك العالم من تغير جوهري عَملَ، أكثر من أي شيء آخر، على جعل "التفكير" في الأمة أمراً ممكناً. لذلك يحاول تبيان أن إمكانية تخيل الأمة لا تنشأ تاريخياً هي ذاتها إلا حين، وحيث، تفقد ثلاثة تصورات ثقافية جوهرية، بالغة القدم جميعاً، سطوتها البدهية على عقول البشر.
يتجسد أول هذه التصورات في الفكرة التي مفادها أن لغة مدونة بعينها قد وفرت أفضل نفاذ إلى الحقيقة الأنطولوجية، وذلك على وجه التحديد لأنها جزء لا يتجزأ من تلك الحقيقة. وهذه الفكرة هي التي دعت إلى الوجود تلك الجماعات الدينية عابرة القارات، مثل المسيحية والإسلام، وسواها. أما التصور الثاني فيتجسد في الاعتقاد بأن المجتمع منظم حول، وتحت، مراكز رفيعة، كالملوك الذين هم أشخاص مختلفون عن بقية البشر، حيث كانت ضروب الولاء البشرية تراتبية ومركزية الوجهة بالضرورة لأن الحاكم، مثل الكتاب المقدس، كان منبت الكينونة ومتأصلاً فيها.
ويكمن التصور الثالث في تصور الزمن بشكل لا يمكن التمييز فيه بين الرؤيا الكونية الشاملة والتاريخ، وتتطابق فيه أصول العالم وأصول البشر تطابقاً جوهرياً. وكانت هذه الأفكار مجتمعة قد ضربت بجذور حياة البشر عميقاً وفي طبيعة الأشياء ذاتها، مضيفة معنى معيناً على أقدار الوجود اليومية، كالموت والفقد والاستعباد، وموفرة سبل الخلاص منها بطرائق شتى.
ويركز تحليل أندرسن لجذور القومية ونشأتها في أوروبا على اللغات الطباعية التي أرست الأساس لضروب الوعي القومي بثلاث طرق مميزة، يتحدد أولها في حقول تبادل واتصال موحدة أدنى من اللاتينية وأرفع من اللغات المحلية المنطوقة. فالناطقون بتلك التشكيلة الضخمة من الفرنسيات، أو الإنكليزيات، أو الإسبانيات، ممن قد يجدون صعوبة أو حتى استحالة في فهم واحدهم الآخر محادثةً، باتوا قادرين على التفاهم عبر الطباعة والورق. وصار بمقدورهم شيئاً فشيئاً أن يدركوا وجود مئات آلاف، بل ملايين، البشر في حقلهم اللغوي المحدد، وأن زملاء أو أخوة القراءة، المرتبطين ببعضهم بعضاً من خلال الطباعة، هم الذين شكلوا، بخفائهم المرئي، المحدد، العلماني، جنين الجماعة القومية المتخيلة. ويتحدد ثاني ضروب الوعي في إضفاء رأسمالية الطباعة على اللغة ثباتاً جديداً، أسهم على المدى الطويل في بناء صورة القدم التي تحتل مكانة مركزية في فكرة الأمة عن ذاتها. كما خلقت رأسمالية الطباعة، ثالثاً، لغات سلطة من نوع يختلف عن اللغات المحلية الإدارية القديمة، إذ من المؤكد أن لهجات معينة كانت "أقرب" إلى كل لغة من اللغات المحلية الطباعية وسيطرت على شكلها النهائي.
إذاً، هيأ تلاقي الرأسمالية وتكنولوجيا الطباعة، مع ما تتميز به اللغة البشرية من تعدد قدري خلق إمكانية شكل جديد من أشكال الجماعة المتخيلة، المنصة للأمة الحديثة بما اتسم به من هيئة وتركيبة أساسية. لكن في الوقت الذي تمتلك فيه أمم اليوم الحديثة- والدول الأمم- جميعاً تقريباً " لغات طباعية قومية"، فإن كثيراً منها يتقاسم هذه اللغات، وثمة أخرى لا "يستخدم" لغتها القومية في الحديث أو على الورق سوى نسبة ضئيلة من السكان.
ويجترح أندرسن مفهوم قوميات "الموجة الأخيرة"، ومعظمها في مناطق آسيا وإفريقية الكولونيالية، معتبرا أنها نشأت رداً على الإمبريالية العالمية التي جعلتها منجزات الرأسمالية الصناعية ممكنة، مستعيناً بقول ماركس "إن حاجة البرجوازية إلى سوق لمنتجاتها متوسعة باطّراد تطارد هذه البرجوازية في جميع أرجاء الأرض". لكن الرأسمالية عملت أيضاً، خاصة بنشرها الطباعة، على خلق قوميات في أوروبا هي قوميات شعبية نصيرة للغات المحلية، قوّضت بدرجات مختلفة المبدأ السلالي القديم، وحثت كل سلالة حاكمة على تجنيس ذاتها.
وينصب الجهد النظري على تحديد معالم السيرورات التي صارت من خلالها الأمة محل تخيلٍ، ثم محل اقتداءٍ، وتحويرٍ، وتحويلٍ، ما إن تم تخيلها، مع العناية الخاصة بالتغيير الاجتماعي وأشكال الوعي المختلفة، بالرغم من قناعة أندرسن بأن التغير الاجتماعي أو الوعي المتحوّل، لا يكفيان لتفسير الرابط الذي يشعر به البشر تجاه مخترعات خيالاتهم، أو ما يدفع هؤلاء البشر لأن يكونوا مستعدين للموت من أجل مخترعاتهم.
[ الكتاب: الجماعات المتخيلة ـ تأملات في أصل القومية وانتشارها
[ تأليف: بندكت أندرسن
[ ترجمة ثائر ديب، تقديم عزمي بشارة
[ الناشر: دار قدمس، دمشق، 2009.
"المستقبل"




















