ثمة تعبير عن مشاعر الإحباط في بعض الأوساط اللبنانية إزاء حصيلة الأعوام الخمسة من عمر تحالف «14 آذار». وأعرب كثر، لمناسبة إحياء ذكرى اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري اليوم، عن مرارة وأسف إزاء عدم تمكن هذا الائتلاف من حسم الوجهة السياسية في البلاد، خصوصاً بعد فوزه في الانتخابات التشريعية لدورتين متتاليتين، وما يعنيه ذلك من تمتعه بالشعبية اللازمة للحسم.
ويمكن الحديث عن اسباب كثيرة حولت «ثورة الأرز» الى «ثورة مغدورة». لكن كل هذه الأسباب تُعاد الى عوامل خارجية عن «14 آذار»، خصوصاً «حزب الله» وقوته السياسية والعسكرية المستمدة من التحالف السوري – الإيراني. لا بل جاءت تركيبة «14 آذار» كردٍّ على هذه القوة وهذا التحالف الذي نُسبت اليه، يوماً، المسؤولية السياسية عن اغتيال الحريري في الرابع عشر من شباط (فبراير) 2005. اي ان التعبير الأبرز في «14 آذار» هو الرد على ما سُمي النظام الأمني السابق السوري – اللبناني، والرد على وجود قوات عسكرية سورية في لبنان وعلى الدعم الذي يتلقاه «حزب الله» من سورية وايران.
ولأنه رد فعل دفاعي، التحق هذا التحالف بالانشطار الطائفي في البلاد. ولم يتمكن خلال السنوات الخمس الماضية من تسجيل اي اختراق خارج جمهوره، لا بل خسر، بعد فوزه الانتخابي الأخير، أحد أركانه، وليد جنبلاط، ما أكد ان ثمة سلوكاً دفاعياً آخر يقع خارج «14 آذار»، وان الحسابات السياسية الموضعية تتجاوز معاني الآمال التي توقعها البعض من التحالف.
ترد كلمات الدولة والدستور والاستقلال كثيراً في التصريحات والبيانات لقادة «14 آذار»، لكن تجربة السنوات الخمس، وما تخللها من أحداث خطيرة طاولت الدولة والدستور والاستقلال، لم تظهر أن ثمة قدرة على وضع تصور لهذه المعاني بما يجعلها محركاً شعبياً وقادراً على الاستقطاب، بما يدخل تعديلاً على ميزان القوى الداخلي.
وجاءت الانتخابات الأخيرة لتجعل من التحالف أداة لنيل مقعد نيابي، في ظل قانون انتخابي يشد التآزر الطائفي، اكثر بكثير من مناسبة لإطلاق حملة وطنية عامة تشد المواطن الى امل بتغيير يطاول حياته اليومية.
لا بل يجد المواطن المطحون بالأزمة الاقتصادية وتواتر الأزمات السياسية والجدل العقيم حول الحصص في السلطة، والمدهوش إزاء حجم الفساد الإداري والسياسي، نفسه منسلخاً عن معاني الوطن والدولة والدستور ليلتصق اكثر فأكثر بالحماية الطائفية. ما دامت هذه المصطلحات لا تعني له شيئاً ولم تعطِهِ اي امل في تغيير يطاول حياته ولا السلوك السياسي لزعاماته.
بكلام آخر، تشكل تحالف «14 آذار» كرد على ظروف سياسية، ولم يكن تصوراً ذاتياً مبنياً على التجارب المرة التي عاشها لبنان، منذ اندلاع الحرب الأهلية في 1975، ومشروعاً وبرنامجاً للاندماج الوطني والإصلاح السياسي والاقتصادي.
لذلك، لم يتمكن هذا التحالف، على رغم انه يقود نظرياً الحكومة الحالية، من معالجة اي من المشكلات الملحة في البلد. فهو أقرب الى قيادة حكومة تصريف أعمال من حكومة تسعى الى تنفيذ مشروع سياسي واقتصادي وطني.
ويزداد مأزق هذا التحالف بعد انتفاء الشعارات التي كانت وراء تشكيله. لا بل ان هذه الشعارات الظرفية المرتبطة بالعلاقة مع سورية ليست الأساس الذي يمكن ان يُبنى عليه في الأساس مشروع وطني.
"الحياة"




















