بيروت – محمد شقير
حملت زيارة رئيس تكتل «التغيير والإصلاح» اللبناني العماد ميشال عون «الرئاسية» لدمشق في يومها الثاني أمس موقفاً سياسياً لافتاً بقوله: «نأمل بأن نصل الى الأكثرية في المجلس النيابي في الانتخابات النيابية المقبلة كي نستطيع أن نصحح تحفظاتنا عن اتفاق الطائف، وهي كثيرة أولها عدم التوازن بين الرئاسات الثلاث: واحدة بلا صلاحيات هي رئاسة الجمهورية والثانية رئاسة الحكومة التي تجمع بيدها كل مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات المعنية بالمراقبة».
موقف عون جاء في محاضرة ألقاها في فرع كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق، وينتظر أن يؤدي، في ظل الأجواء السياسية الساخنة في لبنان، الى فتح الباب أمام عودة السجال في شأن اتفاق الطائف الذي أنتج الدستور اللبناني الجديد، خصوصاً أن موقفه يشكل مساساً بمادة ميثاقية توافقية أساسية في الدستور تتناول تحديد صلاحيات الرئاسات الثلاث، إضافة الى أنه انبرى الى الحديث عن تعديل اتفاق الطائف بالنيابة عن حلفائه وتحديداً «حزب الله» وحركة «أمل»، والأخيرة، كما هو معروف، ليست في وارد جر البلد الى نقاش يقود الى تسخين الأجواء من دون الوصول الى نتيجة.
وإذا كان حديث عون عن تعديل «الطائف» لا يلزم حلفاءه، فإنه في المقابل يتناقض مع موافقته على اتفاق الدوحة الذي هو جزء من الطائف، ولم يصدر عنه عند التوقيع عليه أي تحفظ عن «الطائف» الذي يتعامل معه عون على أنه كان وراء إخراجه من القصر الجمهوري في بعبدا في 13 تشرين الأول (اكتوبر) 1990 بعملية مشتركة نفذتها وحدات من الجيشين السوري واللبناني.
ومع أن عون كرر في محاضرته المواقف نفسها من «حزب الله» والمقاومة التي «حققت معجزة بانتصارها على إسرائيل، على رغم تخاذل البعض ونجحت في فرض معادلة عسكرية ستبقى قائمة طالما بقي مجتمعنا يواصل دعمه للمقاومة»، فإنه بادر الى توضيح موقفه في شأن الاعتذار الذي كان أعلنه في مؤتمر صحافي عقده أول من أمس بعد اجتماعه مع الرئيس السوري بشار الأسد وقال إنه تعرض الى «عملية تشويش» حورت ما طلبه «من اللبنانيين الموجودين في بيروت بالاعتذار منا باعتبارهم هم من آذونا وعندها نطلب من السوريين اعتذاراً آخر».
لكن توضيح عون هذا، لن يخفف من التفاعلات السياسية التي أحدثها تصريحه الأول عن «الاعتذار» وعلمت «الحياة» أن البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير لم يكن مرتاحاً الى بعض مواقفه مع انه آثر عدم التعليق في الوقت الحاضر. ونقل زوار صفير عنه سؤاله: «لمن سيوجه الاعتذار. وعلى ماذا؟ ومن قصف البلدات والقرى بالمدفعية الثقيلة. وكيف نترجم الرغبة في إقامة علاقة من دولة الى دولة؟».
وإذ اكتفى صفير بهذا السؤال، فإن مصدرا قياديا في الأكثرية سأل: «لماذا تجاهل عون أي ذكر لتطبيق القرارات الدولية الخاصة بلبنان وأين موقفه من مقررات مؤتمر الحوار الوطني الأول الذي عقد برعاية رئيس المجلس النيابي نبيه بري في آذار (مارس) 2006، لا سيما في شأن تحديد الحدود بين البلدين وجمع السلاح الفلسطيني من خارج المخيمات وضبطه وتنظيمه في داخلها وهو كان أول من كان أدرجها في برنامجه الانتخابي في ربيع 2005 وعاد عنها بعد التوصل مع حزب الله الى ورقة التفاهم؟».
غير أن مصادر سياسية حيادية متابعة لزيارة عون لدمشق ومواقفه منها ترى أن سورية حققت نجاحاً كبيراً بتلبيته الدعوة الى زيارتها، لكن مدى قدرة عون على توظيفها في توفير الحماية لمسيحيي الشرق وتأمين الاستقرار لهم تتوقف على مزاج الشارع المسيحي في تعاطيه معها وهذا ما لا يمكن ملامسته إلا من خلال الانتخابات النيابية المقبلة.
الى ذلك، أطلق أمس الرئيس بري أول إشارة إيجابية باتجاه إعادة تشكيل المجلس الدستوري، بدعوته الهيئة العامة في البرلمان الى عقد جلسة في 18 الجاري لانتخاب خمسة أعضاء جدد في المجلس على أن يعين مجلس الوزراء لاحقاً خمسة آخرين على قاعدة مراعاة التوازن الطائفي.
وبالنسبة الى جلسة مجلس الوزراء المقررة اليوم برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان العائد أمس من برلين بعد زيارة رسمية لألمانيا، استبعدت مصادر وزارية احتمال طرح التعيينات الإدارية والقضائية من خارج جدول الأعمال، لكنها لم تستبعد في حال كانت الأجواء السياسية مواتية، ان يصار الى البحث في الآلية الواجب اعتمادها.
ويبقى الشيء الأهم من خارج جدول الأعمال تلويح عدد من الوزراء المنتمين الى الأكثرية برغبتهم في السؤال عن النتائج العملية لزيارة قائد الجيش العماد جان قهوجي السبت الماضي لدمشق لقطع الطريق على ما تداولته بعض وسائل الإعلام في شأنها، خصوصاً بالنسبة الى إحياء لجنة التنسيق المشتركة بين الجيشين اللبناني والسوري وقضايا أخرى على اتصال مباشر بالاستراتيجية الدفاعية المدرجة على جدول أعمال الحوار برعاية رئيس الجمهورية. وفي هذا السياق قالت مصادر وزارية لـ «الحياة»: «سمعنا الكثير عن نتائج محادثات العماد قهوجي في دمشق ومن حقنا الاطلاع على حصيلتها لوقف استمرار الاجتهادات في شأنها، وهذا لا يتعارض مع قول رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ان الزيارة تمت بقرار من مجلس الوزراء وبعلم منه شخصياً».
"الحياة"




















