في تاريخ العراق مآسٍ كبيرة وضعته على لائحة البلدان المبتلاة بالحروب والدكتاتوريات وكل أصناف العذاب، وقد جرب مختلف السلطات الملكية والجمهورية والأحزاب الشيوعية، والبعثية القومية والمستقلة وذات التبعية الخارجية، والآن تتنازعه طوائف دينية وقوميات ومليشيات تتصرف وكأنها السلطة العليا.
وقد لبس الشعب الشماغ بألوانه المختلفة والثوب، تفرنج وتعرّب، تشيّع وتسنن، ولأن الفاقد أكبر من العائد بالرغم من إمكاناته التي تفوق دولاً غنية، ظل بلا ماء وكهرباء ومستشفيات وطرق وسكن ومدارس، لأن الفساد وصل إلى الأدمغة واليدين، في تهريب آثاره وعلمائه وطاقاته البشرية والمادية..
ويجري الآن التحضير لمسرحية الانتخابات الديموقراطية، وشوهدت إيران تتحكم بمسارها، وبشخوصها وأحزابها، ومن يمانع السير في هذا التيار تعفيه قوانين فصلت وفق طبيعة ما يخطَّط للمستقبل بأن يكون العراق قاعدة أمريكية ونفوذاً إيرانيا!
الاستطلاعات التي تبثها محطات الفضاء من خلال شرائح شعبية عامة قالت وأجمعت على مللها من المهاترات والتجاذب بين أركان الدولة، وأنها تحتاج إلى تأمين ضرورات تمتلكها شعوب ليس لديها نفط وغاز وأنهر وتاريخ عريق وفضاء مفتوح مع العالم لجذب الاستثمارات ، وتوطين الصناعة وفوائض التقنية.
وقالت أيضاً لا يهمنا من سيكسب الانتخابات إذا كان رجلاً لكل العراق صالحاً ونزيهاً، وهذا ما جعل نسب المستقلين عن الطوائف، والمحاصصة تتضاعف رغم الإقصاء والتعامل بأساليب خارج مفهوم الحق الطبيعي لكل إنسان في التمثيل والانتخاب..
الظاهرة القديمة والحديثة، هي بروز القبيلة والعشيرة والإجماع بأنهما مَن حافظ على وحدة العراق وتطهيره من نفوذ القاعدة، وبعض المليشيات حتى صارت الأحزاب تتودد وتتقرب منهما، بينما كانت العناصر التي تحمل الجنسيتين ممن وصلوا إلى السلطة تحاول تجريد وإبعاد سلطة القبيلة والعشيرة عن نفوذهما، والسبب أن انتماءاتهما وجذورهما عربية باستثناء القبائل الكردية وبعض التشكيلات الصغيرة من آشوريين وتركمان وصائبة وغيرهم.
وهذه دلالة أن أبناء القبيلة والعشيرة لم تقسمهم المذاهب طالما هناك سنّة وشيعة في كل قبيلة وعشيرة، بل إن الميل إلى التكتل باسمهما جعل المعمّمين و«المتفرنجين» وكل من يحاول ربط الإنسان العراقي بمرجعية دينية لا تراعي حق المواطنة، يرون أن العراق، بتكوينه الأساسي وأغلبيته الشعبية بدوي في تقاليده وتشريعاته وأحكامه.
وهنا بدأت روح أخرى تتفجر لدى العروبيين والمستقلين عن الولاءات البعيدة إذ ظل العراق مستودعاً بشرياً لأعراب صحراء الجزيرة العربية منذ تاريخه القديم وحتى الآن، ورغم تنوع اللغات واللهجات إلا أن طابع اللغة العربية ظل سائداً حتى بين من لا ينتمون لهذه الأمة، وهنا صارت لعبة الدين والأصل تأخذ مساراً آخر بطابع قبلي وعشائري لا يريدان تذويب العراق وتاريخه تحت أي مسمى أو ولاء آخر لغير العراق..
الرياض




















