كتبت ريتا صفير:
هي كيلومترات قليلة تفصل مبنى "النهار" عن "الاراضي السورية". اراض لا يتطلب الوصول اليها طبعا، اجتياز الحدود. يكفي ان تركن سيارتك في الموقف المقابل لمبنى "المصرف التجاري السوري – اللبناني"، كما بات متعارفا على تسميته. هناك، في شارع المقدسي، في الحمراء، لا سواتر ترابية ولا من يحزنون. وحده العلم السوري الذي يتماوج مع الهواء يؤشر لبلوغك السفارة السورية.
الاستقبال "مدني" صرف، في المدخل الى الطبقة الارضية. اكثر من ذلك، اوكلت مهمة التفتيش الى ثلاثة عناصر يرتدون لباسا رسميا. "اهلا بك في السفارة السورية"، يردد مسؤولو الامن مرارا، فيما تخضع حقيبة اليد للتفتيش الالكتروني. تفاجئك حركة كثيفة ذهابا وايابا الى درجة يمكن القول ان المكان اشبه بخلية نحل.
اشارة الانعطاف يسارا لاتمام المعاملات القنصلية كفيلة بازالة علامات الاستفهام. هناك، في احد المكاتب المطلة على الشارع الرئيسي، ينجز السوريون المقيمون في لبنان والاجانب الراغبون في زيارة دمشق معاملاتهم، الى جانب وجود مكتب للشكاوى. اعدادهم كثيرة كثيرة. العرب وضمنهم اللبنانيون هم طبعا خارج هذه الفئات، باعتبارهم لا يحتاجون الى تأشيرة.
"الكلام شيء، والواقع شيء آخر". يعلق مصدر ديبلوماسي سوري يرافقنا في جولتنا، "لمست بنفسك. العمل كثيف والنشاط كثير وهذا امر ايجابي. الامر نفسه ينطبق على السفارة اللبنانية في دمشق".
وإذا كان لبنان احتل المرتبة الاولى بين الوجهات السياحية العالمية في تصنيف صحيفة "النيويورك تايمس" الاميركية لعام 2009، فان دمشق باتت ضمن هذه الوجهات في التصنيف الذي اصدرته الصحيفة نفسها لعام 2010. هي بوادر "انفتاح سياحي" تواكب الانفتاح الاميركي السياسي؟ نسأله. يضحك. يكتفي بالرد ان السفارة في بيروت باتت تصدر يوميا قرابة 40 تأشيرة للزوار الاجانب، من جنسيات مختلفة، بينهم اوروبيون واميركيون، رغم ان خيار الحصول على تأشيرة على الحدود لا يزال ساريا. يشير الى صالة الانتظار المجاورة لمكتب المصادقات والتأشيرات. فيها يترقب العشرات دورهم. صورتان للرئيس السوري بشار الاسد، تحت احداهما عبارة "بشار نحبك" وعلم كبير، تزين المكان. وتفصل بينها اعلانات "للاخوة المواطنين" عن مواعيد تسلم المعاملات القنصلية وتسليمها الى اصحابها، فدعوات الى مواليد 1992 للمباشرة في اجراء الفحوص الخاصة بخدمة العلم، الى طلبات عن استيفاء الرسم القنصلي للمعاملات بالدولار الاميركي حصرا. واللافت ان تاريخ معظم هذه الاعلانات يعود الى النصف الثاني من العام الماضي، فيما يذيل بعضها توقيع للسفير علي عبد الكريم علي، ويظهر توقيع للقائم بالاعمال بالنيابة على بعضها الآخر.
"هنا يداوم السفير يوميا في مكتبه، لا بل يزيد دوامه عن اي سفير آخر"، يحرص محدثنا الديبلوماسي على الايضاح "والسبب علاقة الاخوة بين البلدين والاعداد الكبيرة للمواطنين السوريين المقيمين في لبنان".
لا ارقام دقيقة عن هذه الاعداد في عهدة المسؤولين السوريين اليوم، رغم انهم يتحدثون عن انطلاق العمل على هذا المستوى، تمهيدا للوصول الى احصاء دقيق. ولا تفوتهم الاشارة الى ان اللجان التي تم تشكيلها بالتعاون مع وزارة العمل اللبنانية تمثل احدى حلقات التعاون في شأن العمالة السورية، "فما يهمنا هو كيفية منح هذه العمالة التسهيلات المطلوبة ووضع الاطر القانونية السليمة لمزاولتها عملها".
الطاقم
أربعة ديبلوماسيين، الى السفير وطاقم اداري يناهز عدده الـ 15 موظفا لبنانيا وسوريا، يسعون الى تلبية ضغط المراجعات في الوقت الراهن. وفي نية السفارة مستقبلا مضاعفة هذا العدد، بتعبير المصدر الديبلوماسي الذي يعزو جانبا كبيرا من هذا الضغط الى الشريط الحدودي بين البلدين حيث نمت وعلى مر الاعوام عائلات "مشكلة"، نصفها سوري ونصفها الآخر لبناني: "ثمة مشكلة مزمنة على امتداد القرى والضيع الحدودية. هي مناطق متداخلة. من هنا كثافة المعاملات المترتبة عن هذا الوضع".
اجراءات الوفاة والولادة تحتل بدورها حيزا مهما من نشاط السفارة. ومعلوم ان الرئيس الاسد كان اصدر مرسوما للتبادل الديبلوماسي يقضي باقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، وفتح سفارة سورية في بيروت، في 14 تشرين الاول 2008. ووجب انتظار ايار 2009 لتحقيق ذلك، عبر مباشرة علي عبد الكريم علي مزاولة مهماته سفيرا لسوريا في لبنان. وقبل هذا التاريخ، اوكلت هذه المهمات الى وزارتي الخارجية في البلدين.
800 هو الرقم الذي تناهزه المعاملات القنصلية المتممة في شكل شبه يومي، وفق المصدر الديبلوماسي الذي يؤكد ان معظمها ينجز في التاريخ نفسه، مستعيدا ما توصل اليه علم الادارة في هذا المجال. يسهب في الشرح. رسالة اساسية يسعى الى بلورتها فحواها ان السفارة "من الناس ووجدت لخدمتهم. وهمها الاول وعلى غرار مؤسسات رسمية سورية، رضى المواطن". ولا يتوانى عن التذكير بانتفاء المتاريس المحيطة بالمقر، على عكس ما هو حاصل في محيط مراكز بعثات ديبلوماسية اخرى: "نحن، ربما، اقل طاقم ديبلوماسي يختبىء وراء حواجز"، يقولها مبتسما.
المجلس الاعلى
يتحدث الديبلوماسيون السوريون عن "تكامل" بين مهمتي المجلس الاعلى اللبناني – السوري والسفارتين اللبنانية والسورية. وعلى غرار المقاربة التي قدمها الامين العام للمجلس نصري خوري في مقارنته هذا الوضع بما هو قائم في دول الخليج، تتردد تجربة مجلس التعاون الخليجي على لسان الديبلوماسيين السوريين على هذا المستوى: "مهمة المجلس والسفارتين تصب في خانة تعزيز العلاقات الثنائية وازدهارها". يبدو منطقيا ان تنسحب هذه المقاربة على اداء السفير والامين العام. كلاهما حاضر، بتقويم المصدر الديبلوماسي السوري الذي يصر على ان "السفير قام بجولاته وزياراته المطلوبة ويؤدي مهمته على اكمل وجه"، مدللا في هذا الاطار على الدور الذي اداه في السفارة السورية في الكويت، قبل نقله الى لبنان، "هناك كان مقربا جدا من الجالية اللبنانية".
يؤثر الديبلوماسيون عدم الخوض في الجانب السياسي. من هذا المنطلق، يتجنبون الرد على الانتقادات عن غياب السفير السوري: "لننصت الى الافعال وليس الى الاقوال"، يعلق احدهم. يستحضرون عبارة "شهيرة" للرئيس السوري في هذا الشأن: "اذا كان الكلام من فضة، والسكوت من ذهب، فان العمل من الماس".
تحضر عبارات "التنظيم والمؤسسات" ايضا بقوة في لغة الديبلوماسيين السوريين. يقودهم ذلك الى تسليط الضوء على الطابع المؤسساتي الذي يحكم عمل السفارة في لبنان، على قول المصدر. الجولة في الطبقة الثانية تكشف جانبا منه.
على خمس غرف مجهزة بالمعلوماتية، وتفصل بينها جدران من الزجاج، يتوزع قسم الاقتصاد الذي يعنى بمتابعة شؤون الاستثمار بين البلدين ويسعى الى تفعيل اللقاءات والاتصالات بين الهيئات المعنية، وقسم الثقافة والتربية الذي يرئسه محمد احمد وتندرج ضمن مهماته متابعة شؤون الطلاب السوريين في المؤسسات التربوية اللبنانية، علما ان اعدادهم كبيرة، وفقا للمصدر الديبلوماسي، الى القسم الاداري برئاسة عبداللطيف الصباغ، فالقسم المالي الذي يشرف عليه فراس صالح. وفي الطبقة نفسها، غرفة جانبية اخيرة مخصصة للقائم بالاعمال.
ملفات قيد البحث
لا ملفات عالقة بين البلدين في قاموس الديبلوماسية السورية، "فالملف العالق يعني انه متوقف، في حين ان اللجان المخولة متابعة هذه القضايا تجتمع وتضع آليات باشراف الحكومتين… والحوار يتواصل". وفي رأيهم، "ان الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس سعد الحريري تبدو مهتمة بتعزيز العمل المشترك، والامر عينه ينطبق على الحكومة السورية". ومن هذا المنطلق يبدو ازدياد عدد الزيارات بين المسؤولين في البلدين "امرا طبيعيا"، في نظرهم، في المرحلة المقبلة.
مضت ساعتان. انتهت الجولة. نغادر المقر الذي افتتح على "انقاض" البوريفاج وتوابعه، وشكل احد مؤشرات اعتراف "الشقيق" بسيادة لبنان وحريته واستقلاله.
يضحك محدثنا. يرفض هذا التعبير، " اعترافنا بسيادة لبنان وحريته واستقلاله قديم العهد"، يؤكد، "ولم يكن يوما غير ذلك. في اي حال، وحدها الافعال كفيلة بايضاح المواقف".
من هو؟
السفير السوري علي عبد الكريم علي من مواليد 1953 في جبلة بمحافظة اللاذقية، متزوج من السيدة فيروز بو علي ولهما أربعة اولاد، صبيان وبنتان. حاز اجازة جامعية في اللغة العربية وآدابها من جامعة دمشق، وكان مديراً للتلفزيون السوري (1990 – 1994) ومديراً للاذاعة (1994 – 1996).
كما عين مديراً عاماً ورئيساً لتحرير الوكالة العربية السورية للانباء (سانا) (2000 – 2002)، وشغل منصب سفير فوق العادة ومفوض للجمهورية العربية السورية لدى دولة الكويت (2003 – 2009). وهو اليوم سفير فوق العادة ومفوض للجمهورية العربية السورية لدى الجمهورية اللبنانية.
عمل في الصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة في سوريا اكثر من 25 عاماً قبل انتقاله الى وزارة الخارجية.
محلل سياسي وكاتب وشاعر، قدم العديد من البرامج والدراسات السياسية والادبية، وصدر له ديوان شعري بعنوان" ابتهالات الصيف البارد" (1998) عن "الهيئة العامة المصرية للكتاب"، وله ديوان جديد قيد الطبع، الى سلسلة من المقالات.
القائم بالأعمال
خدم في بولونيا سابقاً
غسان عنجريني هو السكرتير الثاني والقائم بالأعمال القنصلية في السفارة السورية. درس الحقوق في جامعة دمشق وحاز ديبلوماً من المعهد العالي للادارة وماجيستير في ادارة الاعمال. عمل اعواماً في وزارة الخارجية بينها خمسة في السفارة السورية في بولونيا حيث غطى عمله ايضاً دول استونيا ولاتفيا وليتوانيا. حائز شهادات ثناء وتقدير عدة.
"النهار"




















