تباينت التأويلات بشأن الزيارة التي قام بها رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة مايكل مولن لإسرائيل. ففي الوقت الذي قالت الصحف العربية أن هدف الزيارة هو التنسيق مع إسرائيل لتوجيه ضربة عسكرية الى إيران؛ تحدثت تقارير إسرائيلية عن تحذير واضح وجهه مولن إلى إسرائيل من القيام بأي مفاجأة أو عمل عسكري ضد المنشآت النووية في إيران من دون الحصول على الموافقة الأميركية عليه، مع التشديد على معارضة الولايات المتحدة في الوقت الراهن لأي عمل عسكري ضد إيران. ودعت صحيفة "هآرتس" في افتتاحيتها الى "الانصياع الودي من جانب اسرائيل لتحذير الإدارة الأميركية". وعلى الأرجح أن هذا هو الهدف الفعلي للزيارة.
من الواضح اليوم، أنه رغم التنسيق الكبير بين واشنطن وتل أبيب في الموضوع الإيراني؛ ما زال الأميركيون يتخوفون من اقدام اسرائيل على خطوة عسكرية مفاجئة ضد إيران قد تكون لها انعكاساتها الخطيرة على المنطقة. والأرجح أنهم لا يثقون كثيراً بتوجهات الحكومة الإسرائيلية بزعامة نتنياهو الخاضعة لتأثير الأحزاب اليمينية المتطرفة، مما قد يجعلها تُقدم على خطوة غير مسؤولة مثل الهجوم على إيران. فالولايات المتحدة ترغب الآن بتركيز كل الجهود لإنجاح المساعي الدولية لفرض عقوبات إقتصادية على إيران، وهي تريد أن تضمن عدم اقدام إسرائيل على اي خطوة من شأنها عرقلة هذه المساعي.
لا تعتقد الحكومة الإسرائيلية أن العقوبات الإقتصادية على إيران ستنجح. إما لتعارضها مع المصالح الإقتصادية لعدد كبير من الدول التي من المفترض أن تشارك فيها؛ أو لقدرة إيران على المناورة والالتفاف على هذه العقوبات، وكسب الوقت. وعلى الرغم من اضطرارها الى انتظار ما ستسفر عنه العقوبات الاقتصادية، فإنها تقوم من جهة اخرى بإعداد العدة لتوجيه ضربة استباقية ضد المنشآت النووية الإيرانية وتتحضر لكل أنواع السيناريوات. ويمكن ان نجد صدى هذه التحضيرات والاستعدادات في الدراسات الصادرة عن مراكز الأبحاث الاستراتيجية في إسرائيل.
ففي دراسة نشرها الصيف الماضي مركز بيغن – السادات عن سيناريوات الحرب المستقبلية بين إسرائيل وإيران، قام الكاتب بعرض أكثر من سيناريو، يبدو بعد قراءتها أن الرد الإيراني الأكثر فاعلية على أي هجوم استباقي إسرائيلي على المنشآت النووية الإيرانية، ليس القصف الإيراني بالصواريخ البعيدة المدى الذي قد يتسبب بخسائر كبيرة، وإنما القصف الصاروخي الذي يمكن أن يقوم به "حزب الله" من لبنان على غرار ما حدث في حرب تموز، و"حماس" من قطاع غزة مثلما حدث في عملية "الرصاص المسبوك"، أو عبر دخول سوريا الحرب دفاعاً عن إيران تنفيذاً لإتفاق التعاون العسكري بين البلدين واستخدامها كل انواع الصواريخ الموجودة لديها.
وتشير الدراسة الى احتمال أن يساعد الانسحاب الأميركي من العراق في نهاية عام 2011 إيران على استغلال نفوذها السياسي في العراق، واقامة جسر بري لإدخال العتاد والسلاح الى سوريا لمساعدتها على المواجهة العسكرية ضد إسرائيل. وكذلك الاستفادة من التوتر الحاصل بين تركيا وإسرائيل من اجل دفع الأتراك الى غض النظر عن دخول المقاتلين الإيرانيين عبر أراضيها الى سوريا. بالطبع لن تقتصر المواجهة على ذلك وانما قد تتحول عمليات تفجير إيرانية لأهداف إسرائيلية في العالم.
بمعنى آخر، الرد الإيراني على ضربة عسكرية إسرائيلية سيُدخل لبنان وغزة وسوريا حتماً في دائرة المواجهة العسكرية المباشرة. من هنا تكاثر الحديث في الآونة الأخيرة عن الحرب الشاملة، والتحذيرات الأميركية من مغبة اقدام إسرائيل على أي عمل عسكري ضد إيران قبل التنسيق معها.
لكن بالعودة الى التاريخ نجد أنه لم يسبق لسوريا أن خاضت حرباً ضد إسرائيل نيابة عن أحد، ومن الصعب أن يجازف النظام السوري من اجل خوض الحرب عن إيران، من هنا من الصعب أن تكون السيناريوات الإسرائيلية في هذا الشأن دقيقة. أما في ما يتعلق بالدور الذي قد يلعبه "حزب الله" و"حماس" في الحرب الإسرائيلية الإيرانية المقبلة، فهذا أمر ممكن جداً. لكن السؤال: هل بإمكان لبنان وغزة تحمل تبعات الحرب الإسرائيلية ضد إيران؟
"النهار"




















