لا لغز ولا جديد في القول إن من مصلحة إسرائيل وحدها تأليب لبنانيين على لبنانيين، فهل باتوا موحدين حول ما هو مصلحة لبلدهم؟ يخدم إسرائيل أيضاً أن تؤلّب العرب والعالم كله على إيران، ولكن هل مصالحهم مضمونة مع طهران؟
بين لبنان وإيران الكثير، وكثيره ما زال محور جدل وانقسام، وإن كان معظم اللبنانيين لا يؤيد ضرب المنشآت النووية الإيرانية، لأن حرباً من هذا النوع تصعب السيطرة على حرائقها، ولكن…
بين نجاد «النووي» المتهم بخداع الغرب والعالم، ونتانياهو الكاذب الذي يدّعي أنه لا يخطط لأي حرب (خصوصاً على المنشآت النووية الإيرانية)، يكشف الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز عن موهبة مسرحية تضاف الى «إنجازاته» في السياسة والمعارك التي خاضها. هو لا يفهم قلق رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من احتمالات التصعيد العسكري الإسرائيلي في المنطقة، بل يتطوع لتطمينه، إذ «ليس هناك أي نزاع بين إسرائيل ولبنان» كأن مزارع شبعا وكفرشوبا في كوكب آخر. ولا يخفي بيريز وده «الحريص» على مصلحة البلد الصغير، لذلك يعزو القلق الوحيد الى «وجود جيشين وسياستين» في لبنان.
ويكمل رئيس الطاقم السياسي والأمني في وزارة الدفاع الإسرائيلية عاموس جلعاد، محاولة بيريز دق إسفين جديد بين قسم كبير من اللبنانيين و «حزب الله» الذي يعتبره نتانياهو بمثابة الحكومة، بالتالي تستحق الوعيد والعقاب بتدمير كل البلد، إذا تحرشت.
ومرة أخرى، لا مناص من القول إن استهداف «الأضعف» قد يغني عن قصفٍ في منطقة الخليج، يتطلب شرعية دولية، لأن إمدادات النفط خصوصاً ستكون في مرمى البركان.
والحال أن أي لبناني لا يستسيغ في المقابل حديث جلعاد عن «دولة من ورق» بيع جزؤها الجنوبي الى «حزب الله»، مهما كانت الخلافات حول دور الحزب وسلاح المقاومة. الثابت أن الحرب البربرية في تموز (يوليو) استهدفت جميع اللبنانيين، قبل أن تكمل واشنطن دفاعاتها اللفظية عن لبنان وسيادته، وعن حكومة الرئيس فؤاد السنيورة. لذلك، وحتى مع إدارة الرئيس باراك أوباما، لا يمكن الرهان على أن «الغيرة» الأميركية على البلد ستتبدل، في حال صدقت توقعات نجاد بحرب في الربيع أو الصيف.
ما يرجح لبنان مجدداً ساحة لهذه «الجولة»، أن إيران تدرك مغزى نقل المعركة الى الخليج، وأن كل القوى الغربية وروسيا ستكون موحدة في تشكيل تحالف دولي لمحاصرة «المتمرد» ولو بالقوة. فأمن الطاقة وشريان النفط ما زالا أولوية دولية، ومن هذا المنظار يمكن تلمس القلق في تشديد وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل على أن مجرد «التهديد» بالسيطرة على مضيق هرمز يعتبر عملاً حربياً.
وأما توقيت الربيع الذي تحدث عنه نجاد موعداً للحرب الإسرائيلية، من دون توقع ساحتها الأولى، فلعله يثير مزيداً من القلق على لبنان، إذ يوحي بأن طهران لن تسكت حتى على القرار الدولي المرجح لتشديد العقوبات عليها.
أغلب الظن أن تخيّل انطلاق الشرارة الأولى من لبنان، في مسعى إيراني لإرغام الدول الكبرى على الندم الذي يتمناه لها نجاد، يتقاطع أيضاً مع إشارات إسرائيلية وأميركية كثيرة، تكررت على مدى الأشهر القليلة الماضية، بعنوان وحيد هو إعادة القرار 1701 الى غرفة العناية الفائقة، بالتالي تحويله سلاحاً جاهزاً لاستدراج لبنان وتوريط «حزب الله». التوريط ذاته سهل المنال على الأقل إعلامياً ودولياً، بعد كل ما كشِف عن الشبكات الإسرائيلية، إذ يكفي إطلاق بضعة صواريخ في ظروف ملتبسة، وتحميل الحزب المسؤولية.
2010 ما زالت «سنة الامتحان» لدى الإسرائيلي، والأكيد حتى الآن أن «حزب الله» لا يسعى الى حرب كما قال أمينه العام السيد حسن نصرالله. والأرجح كذلك أنه لن يعطي حكومة نتانياهو الذريعة، لكنها قادرة على افتعالها… ولو بعيداً من لبنان.
لذلك كله، قد ينقسم اللبنانيون في قراءتهم لخطاب السيد حسن نصرالله في ذكرى قادة المقاومة الشهداء، رغم الاقتناع بالدور الإسرائيلي لافتعال ذريعة. وإذا كان ذا أهمية قصوى أن «حزب الله» لا يريد الحرب، يجدر التنبه أيضاً الى عودة الدولة العبرية الى اللعب على وتر تضخيم الدور الإيراني، من قبيل الحديث عن سعيه الى «تقسيم لبنان». بهذا المعنى ما تريده حكومة نتانياهو ومعها بيريز، هو نسف التهدئة في البلد، الى الحد الذي يهيّء الساحة لفقدان وحدتها قبل المواجهة.
والوحدة كما قبل تموز 2006، ستبقى أمضى سلاح في الدفاع عن لبنان.
"الحياة"




















