نصير الأسعد
مع اقتراب الموعد الدستوري للانتخابات النيابية في ربيع 2009 المقبل، تتجمّع إشارات عدّة تفيد أن حصول هذا الاستحقاق في مواعيده ليس مأموناً ولا مضموناً. ولـ"الأسف"، فإن الإشارات تلك تأتي من مصدر واحد هو فريق 8 آذار داخلياً وتحالفاته الإقليمية خارجياً. فما هي هذه الإشارات التي تضافُ الى حقيقة أن أول من بادر الى إثارة احتمال عدم حصول الإنتخابات كان فريق 8 آذار وعلى رأسه "حزب الله" ولو من باب إتهام غيره بالسعي الى التأجيل ومن باب المزايدة في الحرص على إتمامها؟
المصالحات المتوقّفة.. على توتّرات مستمرّة
في إمتداد "إتفاق الدوحة" الذي حظّر إستخدام العنف واللجوء إليه لحسم الخلافات السياسية، إنطلقت في وقت من الأوقات "حركةُ مصالحات" كان الهدف "المنطقي" المعلن منها تحقيق "فكّ إشتباك" في المناطق التي شهدت "سخونة" خلال إنقلاب أيار الماضي، وذلك من أجل "ترييح الأرض" بما يمكّن من الذهاب إلى إنتخابات نيابية في إطار سلمي وديموقراطي.
"في الظاهر"، توقفت "حركة المصالحات" في الإطار المسيحي. وهذا صحيح، بعد أن وضع رئيس "المردة" سليمان فرنجية شروطاً تمنع "المصالحة المسيحية" في إطارها المحدّد، أي التهدئة، مترجماً بشروطه قراراً سورياً لا لبسَ فيه بإستبقاء توتّرات "تساعد" نظام الأسد على مواصلة التدخّل في لبنان. وهذا صحيحٌ أيضاً، بعد أن إنتقل الجنرال ميشال عون من إعتبار أنه غير معنيّ بـ"المصالحة المسيحية" إلى مطالبة الفرقاء المسيحيين بالإعتذار منه، وقد خصّ بمطالبته هذه الرئيس أمين الجميّل وحزب "الكتائب"، والسيدة نايلة معوّض.
بيدّ أن "حركة المصالحات" التي لم تقلّع مسيحياً، كانت تتعثّر في مدارات أخرى. فلا "المصالحة" بين "تيّار المستقبل" و"حزب الله" أنجزت الكثير مما من شأنه تحصين المسار السلمي الديموقراطي في البلد، فيما كان إعلام الحزب والإعلام الدائر في فلكه يتابعان التحريض في عناوين تهمّ "التيّار" وتعنيه، ولا "المصالحة" بين "حزب الله" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" أخذت مدىً يحصّن العملية السياسية، فيما إمتنع "حزب الله" عن لقاءات سياسية "مركزية" مع "التقدّمي".
"التذكير" بـ7 أيار والتهديد بإنفجارات
الإشارة الأولى هي إذاً انتكاسةُ "حركة المصالحات"، تزامناً مع إستمرار فريق 8 آذار في التسلّح والإستعدادات "القتالية" وتوسيع "المربّعات الأمنية"، لا سيما في بيروت، على ما جرى كشفه أخيراً في ما يتعلّق بـ"الحزب السوري القومي الاجتماعي".
هذه الإشارة الأولى التي واكبها فريق 8 آذار بإستحضار السابع من أيار "على الطالع وعلى النازل"، أي بالتذكير بـ"أمثولة 7 أيار" وبإمكان تجديدها "عند المقتضى"، أسّست في واقع الأمر لإشارة ثانية تمثّلت في انتقال بعض هذا الفريق ـ وجناحه المخابراتي السوري بشكل ملحوظ ـ إلى التهديد المباشر بحصول إنفجارات وإغتيالات، إلى حدّ أن سليمان فرنجية ذهب بعيداً في "توقّعه" حصول حدث بحجم إغتيال الرئيس رفيق الحريري عشية موعد الإنتخابات.
عون في دمشق من زاوية سورية
إلا أن الإشارة الثالثة التي قرئت في سياق الخطر الذي يحيط بالإستحقاق الإنتخابي المقبل، تمثّلت في إستقبال الجنرال عون في سوريا، منظوراً إليه ـ أي الإستقبال ـ من زاوية سورية.
مصادر ديبلوماسية عربية وغربية تعربُ عن إعتقادها أن النظام السوري عندما يدعو عون إلى زيارة دمشق في هذا التوقيت على مسافة قريبة من الإنتخابات النيابية يعلم أو يُفترض أن يعلَم أنه "يحرقه" انتخابياً، لا سيما في الإطار المسيحي. وإذ يُقدم النظام السوري على ذلك "بالرغم" من محاذيره الإنتخابية، فإنه لا يكون في صدد إدارة عملية كسب الإنتخابات، بل هو يُعطي إشارةً الى أن تلك الإنتخابات ليست على جدول أعماله، أي أنه أسقطها من حسابه.
نظام الأسد يُنهي الإختبار الدولي له
وفي تقدير المصادر الديبلوماسية العربية والدولية أنه بقدر ما تشكّل دعوة عون الى سوريا في هذا التوقيت مؤشّراً إلى تغليب النظام في دمشق لـ"خيار" عدم حصول الانتخابات، فهي تشكّل إشارة رابعة إلى قرار النظام السوري الدخول في مواجهة مع المجتمعَين العربي والدولي في لبنان ومنه. وترى أن النظام في سوريا إذ يُجاهر بكونه متدخّلاً في لبنان وعلى المكشوف إنما يُعلن عملياً وضع حدّ لتعهّداته بوقف التدخّل، أي أنه يُنهي ـ من جانب واحد ـ "الإختبار" الذي يخضعه المجتمع الدولي إليه منذ شهور حيث لبنان هو ميدان ذلك "الإختبار" ومحكّ "تغيير السلوك".
سليمان بالنظام: الدولة ورئيسها
ولا تُخفي المصادر نفسها إقتناعها بأن الموقف الذي أطلقه رئيس الجمهورية ميشال سليمان من برلين أمس سوف يسلّط الضوء على الوجهة التي سيعتمدها المجتمع الدولي مع دمشق في ظلّ سياستها بالتدخّل في لبنان. فقد كان الرئيس سليمان واضحاً جداً في تشديده على "وجوب أن تتعاطى الدول مع الدولة اللبنانية وتحديداً مع رئيس الدولة المسؤول عن علاقتها بالدول الأخرى"، كما كان واضحاً في قوله إن "هناك حجماً للتعاطي عبر رئيس الدولة وحجماً عبر التعاطي مع الآخرين". و"اللافت" تماماً كان ذلك التزامن بينَ "تذكير" سليمان بالدولة ورئيس الدولة من جهة ودعوة عون من جامعة دمشق الى "إعادة النظر" باتفاق الطائف من جهة أخرى، كأنما يأتي إشهارُ النظام السوري موقفه ضد الانتخابات موصولاً بسحب الاعتراف بالطائف.
"جزرة" التقاسم
على أن ثمة إشارة خامسةٌ في مجرى الإشارات المتجمّعة بشأن الأخطار المحيطة بالاستحقاق الانتخابي النيابي المقبل. فمنذ فترة يجري تسريب كلام غير منسّب الى جهة محدّدة لكنه مطروح في التداول بوصفه "مخرجاً لأزمة الانتخابات"، ويقول المسرّبون إنه يملك حظوظاً عربية. هذا الكلام المشار إليه يتلخّص بـ"دعوة" فريقَي 14 و8 آذار الى تقاسم المقاعد النيابية في المجلس المقبل "حُبيّاً" على أساس 60 مقعداً لكل فريق و8 مقاعد لرئيس الجمهورية! أي أن هذا التسريب هو بمثابة "الجزرة" في مقابل "عصا" إلغاء الانتخابات!
خلاصةُ القول إذاً إن انتخابات ربيع 2009 في دائرة أخطار جسيمة، خصوصاً أن هذه الانتخابات تتزامن مع تطوّرات إقليمية ودولية تبدو متسارعة في الشهور القليلة المقبلة. وبدلاً من تحييد لبنان عن هذه التطورّات وحمايته "بـ" الإنتخابات، يبدو المحور السوري ـ الإيراني وفريقه يضغطان باتجاه آخر: الأمر الواقع. فلعلّ الجلسة الثالثة من الحوار الوطني في بعبدا في 22 كانون الأول الجاري، برئاسة الرئيس سليمان، تضع هذه المسألة على الطاولة.




















