وليد شقير
يكون من غير الواقعي ان يستغرب بعض الأوساط في لبنان زيارة زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون سورية، وأن يُفاجأ بالمواقف التي أطلقها «الجنرال» من العاصمة السورية، أو بالحفاوة الاستثنائية التي استقبلت معها القيادة السورية الخصم القديم الذي قاتلها وقاتلته بالحديد والنار في آخر الثمانينات من القرن الماضي.
فتقارب المواقف بين الجانبين بدأ يحصل منذ سنوات. وإذا كان البعض يشكك بروايات الوسطاء والأصدقاء المشتركين القدامى، عن كيفية ترتيبهم عودة العماد عون الى لبنان قبل 7أيار (مايو) من عام 2005 (تاريخ قدومه من المنفى) والتسوية التي حتمتها الصفقة التي أُجريت آنذاك، فإن تطابق المواقف من القضايا الحساسة خلال السنوات الثلاث الماضية كان كفيلاً بإزالة الشكوك من جهة، وكان اختباراً على الطريقة السورية لمدى إمكان الاتكال من جانب دمشق على صديق وحليف مثل العماد عون، من جهة ثانية. وهذا ما جعل الرئيس السوري بشار الأسد يمتدح مواقف عون المبدئية. فمن عادة الجانب السوري ان يختبر الأصدقاء والحلفاء مدة من الزمن، قبل ان يمنحهم أي صفة أو وصف أو يمحضهم ثقته وأن يستقبلهم على مستوى عالٍ.
كانت الصفقة قضت حينها بألا تقترن عودة عون بأي تحالف مع تيار «المستقبل» وآل الحريري في الانتخابات النيابية التي أُجريت عام 2005، وألا يأخذ الجنرال موقفاً سلبياً من «حزب الله» وسلاحه، على ذمة الرواة من الأصدقاء والوسطاء الذين قاموا بترتيب الأمر.
وبين 7 أيار 2005 وزيارته دمشق أول من أمس، تدرج العماد عون في المجاهرة بتقارب مواقفه مع دمشق، الى درجة انه كان في بعض الأحيان يسبق بعض أكثر حلفائها إخلاصاً، في الدفاع عنها وفي المشاركة في تغطية سياستها في لبنان، وإلى درجة انه في موضوع الاغتيالات، لم يأخذ حتى بالحجة القائلة إنه لا يجوز اتهام سورية أو إصدار أحكام حول هذه الاغتيالات من دون أدلة يكشفها التحقيق، فكان يرد التهمة عن دمشق ويتهم السلطات اللبنانية نفسها، الأمنية والسياسية، من دون ان ينتظر بدوره، نتائج التحقيق والأدلة… بل ان العماد عون تولى، من بين سائر قادة المعارضة، وحده اتهام السلطات اللبنانية بأنها المسؤولة عن عدم تنفيذ قرارات الحوار الوطني المعنية بها سورية مثل إزالة السلاح الفلسطيني الحليف لها، خارج المخيمات وضبطه داخلها وتحديد الحدود في منطقة مزارع شبعا. ورفع بذلك الحرج عن دمشق التي رأت في قرارات الحوار هذه استعجالاً من حلفائها في الموافقة عليها في آذار 2006، تطلب الكثير من المناورات لتأخير تنفيذها…
وتستطيع الزعامات والقيادات السياسية اللبنانية التي سبق ان مشت مع السياسة السورية في لبنان أو تحالفت معها، فخاصمت عون بفعل هذا التحالف، ان تدرك ماذا يعني كل تصريح أو موقف يصدر عن عون الآن في الاختبار اليومي الذي تجريه دمشق للحلفاء المحليين، لا سيما في القضايا الحساسة… فاللعبة هي نفسها، ولا تفعل زيارة العماد عون سوى تأكيد انقلاب الأدوار بين اللبنانيين. فدمشق لم تتبدل، بل ان بعض اللبنانيين هم الذين تبادلوا المواقع. وما كانت السياسة السورية تمارسه من ضغط وقهر على عون وآخرين بتغطية من حلفائها السابقين، باتت تسعى إلى ممارسته الآن على بعض هؤلاء الحلفاء، بتغطية من العماد عون نفسه.
فمنذ تاريخ عودة عون من المنفى في 7 أيار 2005، شهد المسار المتدرج تغطية من قبله لعملية إلغاء مفاعيل الانتخابات النيابية الماضية حيث جاءت الأكثرية لمصلحة «المتمردين» على سورية، ولمواجهته قيام المحكمة الدولية، عبر تغيير تركيبة السلطة، وصولاً الى استخدام السلاح في 7 أيار 2008، لفرض حكومة الثلث المعطّل. وهكذا نشأ مسار كان لا بد لزيارة الجنرال من ان تتوجه.
لكن الزيارة تعلن مرحلة جديدة من التحرك السوري في لبنان، بالتزامن مع الانتخابات النيابية التي تأمل دمشق بأن تؤدي إدارتها لها الى حصولها على أكثرية النصف +1 فيها، بالتعاون مع عون، لفرض اسم رئيس الحكومة الذي تفضل. كما انها تعلن مرحلة جديدة في العلاقة مع الرئيس ميشال سليمان الذي يراهن على علاقة سوية ومتوازنة مع نظيره السوري، في وقت يكرّس الأخير، العماد عون حصانه الأول في لبنان، ليستدرج التنازلات من الرئيس اللبناني، عما قاله في خطاب القسم…
"الحياة"




















