لولا مولّدات التبريد التي على طرف السطح لأمكن لمشاهد الصورة هذه أن يردّها إلى أزمنة هي غير زمنها. إلى الخمسينات من القرن الماضي مثلاً، أو إلى ستيناته، حين كانت السطوح لا تزال نظيفة ولم يحوّلها ازدحام الساكنين في الأسفل إلى مستودعات مكشوفة لخرائب البيوت. وكانت التلفزيونات في أوّل قدومها آنذاك، حين لم تكن الأنتينات تملأ السطوح، ناهيك عن الصحون اللاقطة التي، كلّما نظرنا إلى هذه الصورة، مرّة بعد مرّة، نجد أننا لا نتوقّف عن سؤال أنفسنا: أين هي تلك الصحون؟ أين وضعوها؟ … أعَلى الشرفات كما يفعلون في بلدان كثيرة؟ على واجهات الأبنية؟ أو في نقطة ما بين الشرفة والغرفة المفضية إليها بحيث لا يستطيع المفتّش عن المخالفات تبيّنها من حيث يتنقّل على الطريق؟
ثمّ أن لا ضرورة أحيانا لتعداد ما ينقص من المشهد لنقول إنّه سابق لزمننا هذا الذي نعيش فيه. ذاك أنّ البيوت، لوحدها، تسرع إلى تعيين زمنها. ربما قد يراوغنا بعضها أحيانا فيروح يظهر لنا في إيحاءات مختلفة كثيرة. صديقتنا دلال قالت إنّ الصورة هذه تذكّر بالصور المرافقة للقصص التي كانت تقرأها في طفولتها. ربّما كانت النوافذ المضاءة، تلك التي في مقدّم الصورة، هي التي أوحت لها بذلك. كما يمكن أن تكون إطارات النوافذ، تلك التي تبدو طرازاً منقولاً من عمارة سابقة إلى عمارة متأخّرة، بالتشبّه أو بالتقليد، الذي من حِيله إحلال اللون محلّ الحجر الرخاميّ المنقوش (بما يذكّر بالتلوين السريع الذي يطبع صور القصص التي كانت تقرأها دلال).
ثمّ هناك اللون المحيّر للصورة بمجموعها. هل نحن في الليل مثلاً؟ وهل يكون الليل معتماً هناك، في جوانب من الصورة، وأقلّ عتمة في جوانب أخرى؟ أولئك الساكنون في البنايات التي في الخلف، لماذا لم يضيئوا أنوارهم، هل هو الخوف من أن يستمرّ في الليل ما كان يجري في النهار؟ وأن يرتفع إلى الأعلى، حيث طبقات البيوت، ما كان جارياً على الطرقات؟ هل أنّ هؤلاء، المطفأة نوافذهم، قد أخلدوا مبكرين إلى النوم، من خوفهم، تاركين النوافذ المضاءة تفضح تجرّؤ أصحابها وتشي بهم.
"هذه الصورة تشهد على ابتداء شيء يشبه ابتداء تاريخ عظيم"، قال ايبري كارابودا، رئيس اللجنة التحكيميّة المانحة للجائزة. إنّها صفوة الصور التي نقلت ما كان قد جرى في إيران، بحسبه، وإن كانت لا تحمل أيا من مظاهر الإحتشاد والمواجهات الدامية التي ملأت شوارع مدنها. (صورة ندى سلطاني نازفة تحتضر، وقد التقطها هاو بهاتفه المحمول لتنقلها وسائل إعلام العالم جميعها، حظيت بتنويه وتقدير كبيرين من لجنة التحكيم، لكن ليس بالجائزة الأولى).
ربما كانت صورة الإيطالي بييترو ماستورزو الأقلّ دفعاً إلى التحريض من بين جميع الصور الفوتوغرافيّة والتلفزيونيّة التي نشرت وتوزّعت عن أحداث إيران. هناك، على سطح ذلك المبنى، لا يحدث شيء ولا يصدر صوت. حتّى المصورّ نفسه، الواقف مع كاميرته على السطح المجاور، لم يتمكّن من سماع الصوت الذي تسعى المرأة إلى أن ترسله بعيداً بضمّ يديها إلى فمها لجعلهما توصلان إلى ما توصل إليه الأبواق. كما أنّها لم تكن ترسل صوتها ذاك إلى أحد في السطوح المتقابلة. ذاك أنها لم تكن تحتاج حتّى إلى مناصرين، وإلاّ لكانت سعت إلى "إقناع" جيرانها بالصعود معها. أو لربّما كانت ستعود أدراجها من لحظة وصولها إلى السطح وتبيّنها أنّ أحداً لم يسبقها إليه. ذلك الصوت موجّه للا أحد. لا للذين يمكن أن يكونوا على السطوح ولا للّذين في الأسفل، على الطريق، ليكون حالها به حال متظاهرة تصرخ في وجوه حاملي البنادق والهراوات.
صوت مفرد لا ينتظر أن تنضمّ إليه أصوات لتصير المرأة مُطْلقته هاتفة وسامعة هتاف سواها في الوقت نفسه، أو ليتحوّل الصوت الواحد هديراً بعد أن تنضمّ إليه أصوات الجموع. إنّها محتجّة واحدة، وتلك المرأة الواقفة خلفها أقلّ من شاهدة على ذلك الإحتجاج الذي لا حساب له في موازين الحرب بين السلطة ومعارضيها. ذلك يحرمها بالطبع من ذلك الشعور بالتضامن الحار الذي عبّرت عنه الأدبيّات التي وصفت ما يكون عليه شعور المتظاهرين.
إنّها متظاهرة وحيدة. ستقول بعد أن تنزل، تتبعها تلك المرأة التي هي أقلّ من شاهدة، انّها قامت بما يجب عليها أن تقوم به، أنّها أدّت القسط كاملاً، وإن كان قليلاً.
[ إشتركت في مسابقة صور الصحافة العالميّة أعمال لـ63 مصوّراً ينتسبون إلى 23 بلداً. المصوّر الإيطالي بييترو ماستورزو فاز بصورته هذه عن الصور التي اختصّت بنقل مجريات إنتفاضة الإيرانيين.
"المستقبل"




















