هل يمكن الانتصار أيضاً في أفغانستان؟. هذا هو السؤال الذي حاول ممثلو 60 بلداً من أعلى المستويات الإجابة عليه عندما اجتمعوا في لندن في نهاية شهر يناير الماضي. كان الهدف الرسمي للمؤتمر حول أفغانستان هو تعبئة الجهود المدنية والعسكرية من أجل استقرار البلاد.
وعلى عكس المواقف المعلنة منذ عدّة أسابيع، لم يغامر أي من وزراء الخارجية في مؤتمر لندن بالزعم أن الوضع يتحسّن في أفغانستان.
لقد كان من الصعب أن يعلن أحد مثل ذلك، نظراً للهجوم الذي قام به مقاتلو طالبان قبل أيام فقط من انعقاد الاجتماع.
الجنرال الأميركي مككريستال قائد القوات الدولية في أفغانستان، صرّح في مقابلة مع «فننشال تايمز» بقوله: «شعوري الشخصي كجندي هو أنه كفى ما جرى من المعارك، وأعتقد أن حلًاّ سياسياً لابد منه، كما في جميع الحروب».
وذهب وزير الخارجية الألماني في الاتجاه نفسه، عندما اعتبر أن الاستراتيجية القديمة القائمة على الضبط العسكري للبلاد قد فشلت، وليس هناك من يستطيع أن يرتقب نجاح الاستراتيجية الجديدة. لكن لم يكن هناك بديل عن المحاولة. فما هي إذاً الإستراتيجية الجديدة؟
إنها كما أعلنها كرزاي، واقترح فيها على أولئك الذين ليسوا أعضاء في القاعدة أو في أيّة شبكة إرهابية أخرى إلقاء السلاح والمصالحة. بتعبير آخر، هذا يعني فتح أفق المحادثات مع قسم من طالبان وغيرها من القوات التي تقاتل السلطة المركزية وقوات الاحتلال الأجنبية.
وفي منظور هذا الخط السياسي رفعت الأمم المتحدة اسم خمسة من طالبان من الأشخاص المدرجين على قائمة العقوبات بسبب علاقاتهم السابقة مع القاعدة. هؤلاء الخمسة الذين كانوا بأغلبيتهم من الوزراء السابقين في حكومات طالبان قد يقبلون الحوار مع كرزاي.
لكن الحكومة الأميركية منقسمة جداً حول هذه السياسة الجديدة. ثمّ إنه من المفارقة تساؤل بعض المسؤولين صراحة حول استحالة الانتصار العسكري في الحرب بينما القرار الحقيقي الذي جرى اتخاذه في الفترة الأخيرة هو قرار الرئيس أوباما إرسال 30000 جندي إضافي إلى أفغانستان ودون استشارة الحلفاء. أي على طريقة إدارة بوش السابقة.
وإذا كان المطلوب هو صياغة استراتيجية جديدة فلابد من إشراك أقصى ما يمكن من الدول. وقد حانت اللحظة التي ينبغي فيها على واشنطن أن تتخلّى عن أن تحدد وحدها ما هو جيّد للآخرين.
ولعلّ أحد القرارات التي كان يتوجب اتخاذها في لندن، تشكيل ما يسمّى في القاموس الدبلوماسي «مجموعة اتصال»، تضمّ أكبر عدد من الدول لمحاولة البحث عن حل إذا لم يكن الأفضل فربما يكون الأقل سوءً. لكن لم يحصل ذلك، للأسف.
في الواقع ينبغي أن يتم على الأرض الأفغانية نفسها توضيح الأهداف بدقّة من جهة، وتقييم موازين القوى من جهة أخرى. والزعم أن الهدف هو ديمقراطية البلاد خاطئ وساذج.
فمن يستطيع أن يحقق مثل هذا الهدف؟ إن فعل ذلك يتطلّب إقامة نوع من المحميّة الاستعمارية واستقدام 500000 جندي على الأقل ومثلهم من المدنيين.الهدف الواقعي والمقبول هو منع القاعدة من الوصول إلى السلطة.
وكانت الأسابيع الأخيرة عرفت إشارات ذات دلالة جرى توجيهها إلى قلب الدين حكمتيار رئيس الحزب الإسلامي، أحد الأحزاب الرئيسة الثلاثة للمعارضة. وحكمتيار نفسه اقترح خطة للسلام لا يطلب فيها، على عكس طالبان بقيادة الملآّ عمر، الانسحاب المسبق للقوات الأجنبية من أجل التفاوض مع كرزاي.
ويقترح أن تحل قوة سلام مكان القوات الأطلسية، وتشكيل حكومة انتقالية لسنة واحدة، تقوم بتنظيم انتخابات تشريعية قد تشارك فيها حركة طالبان.
وبهذا المعنى ينبغي فهم تكريس مؤتمر لندن لمبلغ 500 مليون دولار لتأسيس صندوق للسلام وإعادة دمج المقاتلين الذين يقبلون إلقاء السلاح في الحياة العامّة.
وهناك أربع ملاحظات تفرض نفسها. الأولى هي أن السلام في أفغانستان لن يقوم إذا لم تشارك فيه حركة طالبان. الملاحظة الثانية ينبغي التساؤل لماذا يمكن لحركة طالبان التي رفضت اليد الممدودة لحكومة فاسدة أن تقبل اليوم مثل هذا الاقتراح؟
إن قادة المقاتلين هم أكثر تشدداً بسبب نجاحاتهم العسكرية. والثالثة ينبغي التركيز على أن المقارنة بين طالبان وبين القبائل السنيّة العربية في العراق، كما يفعل الكثيرون من المسؤولين السياسيين والعسكريين الغربيين، ليست مقارنة صائبة.
ذلك أن القبائل المعنية هي أقليّة في العراق ولا تطمح إلى أكثر من مكان لها على المسرح السياسي العراقي، بينما مقاتلو طالبان في أفغانستان مدعومون من الأغلبية الباشتونية، ويريدون الاستيلاء على السلطة.
الملاحظة الرابعة هي أن حالة الضعف التي يعاني منها حميد كرزاي لا تشجّع على التفاؤل بقدرته على إنجاز حل عن طريق التفاوض.
في المحصّلة لا يبدو أن اجتماع لندن رغم توجهه نحو الوصول إلى حل سياسي قد كان على مستوى التحديات الراهنة، وتكرار القول إنه سيتم التخلّي عن المسؤوليات تدريجياً، منطقة إثر منطقة للقوات الأفغانية، ليس سوى أمنية بعيدة المنال.
المدير المساعد لمركز العلاقات الدولية والإستراتيجية ـ باريس
professorrabie@yahoo.com
"البيان"




















