(كلنا شركاء) 20/2/2010
على خلفية إقالة تيسير الرداوي أثر محاضرة له في ندوة الثلاثاء الاقتصادية في 5 كانون الثاني 2010
الخبر قديم ولكن دلالاته راهنة، فقد صدر المرسوم رقم 19 القاضي بإنهاء العمل بالمرسوم رقم 104تاريخ11-3-2007 المتضمن تعيين الدكتور تيسير سليمان الرداوي رئيسا لهيئة تخطيط الدولة في سورية.
رغم أنني لا أرى أن عبدالله الدردري، رغم إعجابه وحبه للسياسة الاقتصادية النيوليبرالية، أنه صانع السياسة الاقتصادية السورية، كما يظن البعض. فهو ليس أكثر من مروج متحمس لها. وسبب حماسه هو معرفته بأن هذا التوجه مدفوع بقوة مصالح الفئات الرأسمالية الصاعدة التي يصبح نفوذها طاغياً ومتحكماً في القرار الاقتصادي بسبب اندماج رأسمالية السوق مع رأسمالية الدولة (البيروقراطية) في بوتقة مصالح واحدة. ورغم أنني لا أرى أن تيسير الرداوي يمثل اتجاهاً اقتصادياً واضحاً يعارض التوجة النيوليبرالي السائد في سورية، فإن هذه الإقالة التي جاءت على خلفية صراع، ورغم طابعها الشخصي فلها دلالتها. ولننظر في التفاصيل.
نقول لها طابعها الشخصي لأن الرداوي حل محل الدردري في رئاسة هيئة تخطيط الدولة عام 2007 بعد أن شغل الدردري هذا المنصب منذ نهاية 2003. وبعد أن تم تسمية الدردري عام 2007 كنائب لرئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية، فأصبح الدردري يشغل المنصبين مما خلق احتجاجاً لدى الوزراء الآخرين الذين لا يكنون الود للدردري، فطالبوا بتخلي الدردري عن أحد المنصبين، فتخلى عن منصب رئيس الهيئة لأن نائب رئيس الوزراء يبقيه قريباً من منصب رئاسة الوزارة الذي يطمح إليه ويروج لنفسه له، وهذا ما يثير حفيظة رئيس الوزراء ناجي العطري الذي يرحب بكل تكسير أو إضعاف للدردري. وقد كان العطري "الحلبي" هو من اختار الرداوي "الديري" بطباعه الحادة ليحل محل الدردري "الدمشقي" بطباعة الباردة كي يقف في وجهه.
ولم يمض زمن حتى أصطدم الرجلان، فبعيد التحاق الرداوي بمنصبه بدأ بحكم عمله يقوم بمراجعة لوضع الهيئة وعملها، ونجم عن ذلك بعض الانتقادات لما فعله سلفه الدردري من الجانبين الفني والإداري. ثم وبعد فترة قصيرة أكملت الهيئة إعداد تقييم منتصف الخطة الخمسية العاشرة التي أعدها وتفاخر بها الدردري وأعلن نجاحاتها على مدى ثلاث سنوات ليأتي تقييم الخطة سلبياً وأنها لم تحقق أهدافها. ورغم أن كادر الهيئة هم من أعدوا التقييم وليس الرداوي، فقد غضب الدردري وغضب رئيس الوزراء معه هذه المرة، كون النقد موجه أيضاً لعمل الحكومة ككل. لذلك تم حفظ التقييم وعدم إذاعته. واستمر التوتر بين الرجلين، الرداوي بطبعه الديري الحار الميال لقول ما يريد بصوت عال، والدردري بطبعه الدمشقي الذي يجيد المراوغة وإخفاء نواياه وتزويق الكلام.
أخطأ الرداوي حين تكلم بصراحة في ندوة الثلاثاء الاقتصادية، وهي ندوة عامة مفتوحة، فاصطاده الدردري الذي كان يتحين هذه الفرصة. لقد تجاوز الرداوي ما تعتبره السلطة السورية خطوطاً حمراء، فمن غير المسموح لمسؤول وهو على رأس منصبه أن يوجه أي نقد للحكومة والدولة، وأن يبرز أن له رأي خاص مهما كان بسيطاً في اختلافه عما هو معلن. كما تجاوز الرداوي الخطوط الحمراء خاصة عندما قال بأن أكثر السكان في سوريا لم يتحسَّن دخلهم، وأن العائدات تمركزت في أيدي فئاتٍ قليلة، وأن الثروة تنتج في الجزء الشرقي من سورية بينما تنفق في الجزء الغربي منها وأن موارد الحكومة من الضرائب متدنية. ومثل هذه الأقوال على لسان وزير هي بمثابة كفر بقاموس السلطة السورية. لذلك كان إعفاؤه بمثابة درس لكل من يريد أن يتميز، فالإدارة السورية لا تحب التميز، لأن التميز يجتذب البريق وقد يغري المتميز بالطموح، وطموح الآخرين غير مسموح. إنها إدارة الشخصيات الصغيرة.
ولكن من المفيد استعراض ما قاله الرداوي في محاضرته، فهو سيظهر الفارق بين ما قاله الرجل ودعا إليه وبين السياسة الاقتصادية السائدة. فهو سواء قصد أم لم يقصد إنما عارض السياسة الاقتصادية السورية الحالية بشكل كامل، وهو رئيس الهيئة التي تقوم الآن بوضع الخطة الخمسية الحادية عشر التي تحدد النهج الاقتصادي للبلاد. وخشي الدردري، ومن وراءه مصالح قطاع الأعمال الخاص الريعي، من أن تلعب الخطة الخمسية 11 بقيادة الرداوي نفس الدور الذي لعبته الخطة الخمسية العاشرة بقيادة الدردري حين وجهت الخطة العاشرة نهج سورية الاقتصادي نحو اقتصاد السوق بالنموذج النيوليبرالي، فتقوم الخطة 11 بقلب هذا الاتجاه نحو اتجاه اقتصاد السوق الاجتماعي ودور الدولة التنموية كما توحي مداخلة الرداوي في الندوة.
هذا الاستنتاج الأخير خرجت به عندما تأملت ما قاله الرداوي وقارنته مع السياسة الاقتصادية الحالية، وما يقوله الدردري ويقوله محمد الحسين وزير المالية الذي يسميه البعض ب "وزير مالية رجال الأعمال". وسأقدم بعض الأمثلة.
قال الرداوي بأن الهدف في البداية هو وضع رؤية لسورية 2025، وستتم مناقشة هذه الرؤية بين جميع مكونات الشعب السوري ولا بد من الإجماع عليها لأنها تتعلق بمستقبلنا جميعاً. بينما قام الدردري بإعداد الخطة الخمسية العاشرة من وراء ظهر المجتمع ومؤسسات الدولة ثم وضعها جاهزة أمام القيادة القطرية ومجلس الشعب في جلسات شكلية مرتبة لإقرارها عام 2006. ومن بعدها قام الدردري بوقف مشروع سورية 2025 الذي عمل فيه 264 خبير سوري على مدى سنتين وضعوا تصورات لسيناريوهات تطور سورية حتى العام 2025. غير أن هذه السيناريوهات كانت علمية وموضوعية تطرح القضايا بصراحة لا تتفق وطريقة الدردري الدعائية، فتم منع مناقشة وثائق هذا المشروع المميز في تاريخ سورية الحديث.
عاب الرداوي على الخطة العاشرة أنها جعلت محرك الاقتصاد السوري هو الاستهلاك وليس الاستثمار مما أدى إلى تقليص معدل البطالة".إذ أن النمو الذي يحركه الاستهلاك، بحسب الرداوي، يكون في الأغلب من أنواع النمو غير المحابي للعمالة. وهذا عيب كبير في الخطة العاشرة. كما عاب على الخطة أن سياسة التنمية غير متوازنة مما أدى لهجرة داخلية واسعة. وأن فترات النمو السابقة في سورية "تميزت بعدم الاستدامة لأن قطاعات كبيرة من السكان لم تشارك في العمل وبالتالي لم يتحسن دخلها ويزداد طلبها على السلع والخدمات مما يساهم في زيادة الإنتاج". والخلاصة فإن الرداوي ينتقد ضعف القدرة الإنتاجية للاقتصاد السوري الذي أهملته الخطة العاشرة.
وقد كان من أكثر القضايا سخونة التي مسها الرداوي قوله بأن: أكثر سكتن سورية لم يتحسن دخلهم، وأن عائدات النمو تمركزت في أيدي فئات قليلة من السكان كان لها ممارسات استهلاكية وبذخية وادخارية أعاقت عملية النمو ووجهت الطلب على سلع وخدمات خارجية ووجهت الادخار إلى الخارج أو إلى قطاعات ليست إنتاجية". لذلك فالعرض نما خلال السنوات الماضية بشكل مضبوط ولم ينم بشكل كبير، وبلغ نموه نحو 12% بينما نما الطلب نحو 20%.وهذا يتناقض مع التصريحات المزوقة والتقارير الحكومية المليئة "بالإنجازات الخالية من طرح أية مشكلات.
لذلك أكد الرداوي بأن الخطة الخمسية 11 لن تحابي الطبقات الغنية بل ستشرك جميع فئات المجتمع في التنمية الحقيقية أي في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية". وأنها بحاجة إلى تحقيق نمو محاب للطبقات الفقيرة بزيادة الإنفاق على التعليم وتوجيه السياسات التعليمية وفق متطلبات سوق العمل وضمان تحسين السياسات الضريبية والتشريعية والقانونية الملائمة للعمل ….. وستهدف إلى إعادة توزيع الدخل بحيث تزداد حصة الأجور من الناتج المحلي الإجمالي من 36% إلى 44%، وتقليص مساحة الفقر وتقليل التفاوت بين المواطنين. ولا شك أن مثل هذا التوجه يناقض السياسة الاقتصادية الحالية وهو يخيف الرأسمالية الريعية بينما تستقبله الرأسمالية المنتجه بسرور.
وحول الإستثمار العام والخاص قال الرداوي أنه لا يزال متواضعا إذ لايتجاوز 25 % من الناتج الإجمالي خلال السنوات 2006 – 2008 ويؤكد انها نسبة غير كافية اذا ما قورنت بنسب الاستثمار في البلدان المشابهة. يعود ذلك النقص في حجم الاستثمار إلى صغر حجم الاستثمار العام بسبب قلة واردات الخزينة. ودعا لتعزيز دور استثمارات القطاع العام في كل مجالات إنتاج السلع والخدمات العامة. وإعطاء أولوية عالية للاستثمار في الزراعة والصناعة من أجل رفع نسبة مساهمتهما في الناتج المحلي الإجمالي حتى يتم إصلاح التشوه القطاعي. ودعوة الردجاوي تتعارض مع توجه سياسة الاستثمار النيوليبرالية التي يصرح بها الدردري، التي تريد انسحاب الدولة كلياً من الاستثمار تحت شعار التشاركية التي تعني أن القطاع الخاص يستثمر.
وحول موازنة الدولة: انتقد الرداوي انخفاض نسبة موازنة الدولة بسبب قلة الإيرادات الحكومية، إذ لا تتجاوز 28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة قليلة مقارنة مع الدول الأخرى. ويعيد الرداوي السبب إلى تدني إيرادات ضرائب الدخل. وفي مجال الإنفاق على التعليم، بيّن الرداوي أن نسبة الإنفاق السنوي كانت أقل من المتوسط العالمي وبلغت في سورية نحو 18% من مجمل الإنفاق الحكومي، وفي قطاع الصحة رأى أن الوضع لم يكن مناسباً أيضاً، حيث بينت السنوات الثلاث الماضية أن الإنفاق على الصحة لم يتجاوز 2% من الناتج المحلي الإجمالي وهي نسبة قليلة قياساً إلى متوسط النسبة العالمية. وكذلك شهدت السنوات الثلاث الماضية قصوراً في توزيع الخدمات الصحية بشكل متوازن بين المناطق. ودعا لزيادة الإنفاق على التعليم والصحة وتوجيه السياسات التعليمية وفق متطلبات سوق العمل وجعل أولويات الإنفاق الحكومي متلائمة مع أولويات خطة التنمية، وتكييف توجهات الإنفاق العام وفق معايير مفهوم التنمية المتوازنة والنمو المحابي للفقراء». وأظن أن أصحاب السياسة الليبرالية الذين تنتج سياستهم الفقر يومياً، يتابطون شراً عندما يسمعون كلمات "توجه محابي للفقراء"،.
ويمس الرداوي إحدى "تابوات" السياسة الاقتصادية النيوليبرالية فهو ينتقد السياسة الضريبية بمجملها وربط ضعف نسبة الاستثمار بضآلة موارد الحكومة بسبب تدني عائدات الضرائب وينتقد انخفاض العبئ الضريبي الذي يبلغ حوالي 14 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة قياساً بلدان العالم. كما أن الضرائب غير المباشرة تشكل أكثر من 50 في المائة منها. ورأى الرداوي أن الوضع السابق يتطلب زيادة حصيلة الضرائب حتى تصبح 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وأن الضرائب المباشرة في الخطة 11 ستزداد بينما ستبقى الضرائب غير المباشرة كما هي. ويعلن توجهه لتحسين السياسة الضريبية والتشريعية والقانونية الملائمة للعمل والتركيز على الضرائب المباشرة وخاصة ضرائب الدخل بحيث يمكن المساهمة في تحقيق توزيع عادل للدخل. والرداوي هنا يقلب المعادلة رأساً على عقب. فنحن نسمع كلاماً مغايراً لكلام وزير المالية (البعثي محمد الحسين) عن ارتفاع الحصيلة الضريبية. ومعارض لتوجه محمد الحسين الذي عمل لتخفيض ضرائب الأرباح إلى مستويات متدنية جداً حتى مقارنة بالدول الرأسمالية النيوليبرالية، بينما ضاعف وسيضاعف ضرائب المبيعات التي هي ضرائب معادية للفقراء تأخذ من الضعيف وتعفي الغني القادر. كما أن توجه الرداوي يستنفر جبهة قطاع الأعمال ضده، وليس الحكومة وحسب.
ينتقد الرداوي تدني واردات القطاع العام الاقتصادي الذي يتطلب سياسة فعالة لإصلاحه، مشدداً على ضرورة إزالة المعوقات التي تقف أمام هذا القطاع سواء كانت معوقات بيروقراطية تتعلق بالسياسات والإجراءات التي لا تساعد على نموه أو معوقات بعدم كفاية البنية التحتية وبقاء المخاطر التي تحيط به ويدعو لإصلاح القطاع العام. وهذا التوجه هو توجه معارض للسياسة السائدة اليوم التي تتوجه لتصفية القطاع العام دون أن تستخدم كلمة "خصخصة" وذلك عبر الإصرار على عدم إصلاحه وعدم حل مشكلاته كي تكون تصفيته هي المآل الوحيد أمام الجميع ولو كره البعض. وقد بدؤوا فعلاً.
وتطال انتقادات الرداوي القطاع المالي والنقد، وهو القطاع الذي يقدمه الدردري ووزير المالية على أنه قصة نجاح الإصلاح، فهو يقول بصراحة بعدم تمكن القطاع المالي من لعب دور الوسيط بين المدخرين والمستثمرين. وينتقد السياسة الاقتصادية في سورية بأنها تهدف فقط إلى استقرار الأسعار بغض النظر عن الهدفين الآخرين للسياسة النقدية التي تهدف بالأساس إلى مساندة السياسة الاقتصادية وتحقيق توازن الاقتصادي الكلي، وهما تحقيق أعلى معدل نمو ممكن وتحقيق التوظيف الكامل للعمالة. بينما يولي الدردري الاهتمام بالاستقرارا النقدي عملاً بنصائح صندوق النقد الدولي. بينما يقول الرداوي بأن استراتيجية السياسة النقدية يجب أن تكون تحفيز النشاط الاقتصادي من أجل معالجة مشكلة الركود والبطالة. وهو هنا أقرب إلى السياسة الكينزية.
ويوجه الرداوي نقده للتشويه القطاعي بالنسبة إلى حصة قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي، حيث لم تتجاوز نسبة مساهمة هذين القطاعين مجتمعين في السنوات الماضية 30-35 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما بلغت نسبة مساهمة القطاع الزراعي مثلي مساهمة قطاع الصناعة التحويلية. في حين أن مساهمة قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية تزيد عن 50 في المائة في الدول الصاعدة، إضافة إلى أن مساهمة الصناعة التحويلية تزيد عن نسبة مساهمة الزراعة. وهذا التوجه الذي يدعوا له الرداوي يتعارض مع السياسة النيوليبرالية التي ركزت جهودها على قطاعات النقد والمال والتجارة.
ولعل النقد الذي أزعج أركان الحكومة السورية قول الرداوي بأنه "عندما حدثت الأزمة الاقتصادية العالمية- لا أستطيع أن أقول: لم نعرف ماذا نفعل- ولكن كانت السياسات أقل مما يجب، وكانت السياسات المالية والنقدية غير مستخدمة." وهو نقد يصيب الحكومة السورية والإدارة السورية المترهلة في الصميم. وفعلاً لم تعرف الحكومة ماذا تفعل ولم تضع أية خطة سوى طلبها بعض التقارير من الوزارات التي أعدت على عجل ولم تكن تملك أية قيمة عملية وبقيت محفوظة في الأدراج.
لكل ما سبق نستنتج أن إقالة الرداوي ليست فقط بسبب خطأ إعلامي بأنه وجه نقد علني لسياسة الحكومة السورية، بل الأسباب هي الخوف من توجهاته التي ذكرناها أعلاه.
لعل من أبلغ الدلالات على ما يجري في سورية هو أن التوجهات التنموية للخطة الخمسية الحادية عشر قادت لإقالة الرداوي من رئاسة هيئة تخطيط الدولة بعد محاضرته بأسبوع واحد فقط، بينما التوجهات النيوليبرالية الريعية للخطة الخمسية العاشرة قادت الدردري ليكون نائباً لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية.
العنوان الاصلي : هل هو سجال بين شخصين أم بين نهجين؟




















