عندما سُئل شاعرنا الراحل الكبير نزار قبانى إذا كان يعتبر نفسه ثائراً, أجاب:" الحب في العالم العربي سجين وأنا أريد تحريره، أريد تحرير الحس و الجسد العربي بشعري، فالعلاقة بين الرجل و المرأة في مجتمعنا غير سليمة".
تُرى ماذا كان سيقول الراحل نزار قباني لو قيض له أن يعيش إلى يومنا هذا وهو يرى كيف صودرت جميع الورود الحمراء في بلدان عربية، حتى في قطاع غزة لم تسلم الورود الحمراء بعد أن منعت حركة حماس الاحتفال بها.؟ كان سيقول بالتأكيد: " ستتبقى الورود الحمراء تنمو في البساتين والحقول، ولن يستطع الحراس منعها من التسلل إلى بيوت الناس وقلوبهم. وهو الذي سبق أن قال في الحب:
الحب العظيم ضــدّ الثبات والتحجّر
إنهُ موجه ترفعنا إلى سابع سماء
وترمينا إلى سابع أرض
إنه بحــر لا سواحل معروفةً له..
وكيف أهرب منه؟
إنه قدري هل يملك النهر تغييرا لمجراه؟
أحبه .. لست أدري ما أُحبُّ به
حتى خطاياه ما عادت خطاياه
نحارب الحب في بلادنا العربية بذريعة أنه مستورد من الغرب، حتى أصبح لدينا موقف عدائي من الحب، هذا الحب الذي شكل وما يزال يشكل المحور الأساسي الذي دارت حوله الإبداعات البشرية لكل الحضارات الإنسانية، وحضوره الدائم في وجدان الفرد والجماعة مثل دافعاً من دوافع سعي الإنسان للرقي بإنسانيته نحو الكمال المنشود. أليس هذا الحب الذي يحتفل به العالم ونحرّم الاحتفال به في أكثرية بلداننا العربية هو الذي جعل أنكيدو ذلك الآدمي المتوحش الذي تربي بين الحيوانات واكتسب صفاتها، يسترد إنسانيته الضائعة في ملحمة جلجامش؟ :
ستة أيام وسبعة ليال
ضاجع المرأة
تنوّر ذهنه وقلبه.
فهل كان الحبُّ غريباً عن حياتنا العربية في الجاهلية والإسلام حتى نحرّم الاحتفال به اليوم؟ ألم يكن الحبُّّ مكوناً أساسياً من مكونات ثقافتنا العربية والإسلامية التي أبدعت شعراً ونثراً بليغاً مغلفًاً بالحب والعشق والمشاعر والأحاسيس التي تفيض أعذب الألحان وأصدقها، حفظتها الأجيال وتناقلتها حتى وصلت إلينا لتعطينا صورة حية وصادقة عن الحياة العربية في البوادي والحواضر ونظرة العرب للأشياء ومنها الحب؟ ألم يكن قيس بن الملوح الملقب بمجنون ليلي عربياً ومسلماً قد اشتهر بالعشق والحب لمحبوبته ليلى، التي منعها والدها من الاقتران به، والذي أنشد في إحدى قصائده "المؤنسة" يقول:
تَـذَكَّـرتُ لَـيـلى وَالـسِـنين الـخَوالِيا وَأَيّـامَ لا نَـخشى عَـلى الـلَهو ناهِيا
بِـثَمدَينِ لاحَـت نـارَ لَـيلي وَصَحبَتي بِذاتِ الغَضا تَزجي المَطِيَّ النَواجِيا
يقولون ليلى بالعراق مريضة فيا ليتنى كنت الطبيب المداويا
وكذلك الشاعر الأموي جرير بن عطية التميمى الذي أنشد يقول:
يا أم عمـرو جـزاك الله مغفـرة ردي علي فؤادي كالـذي كانـا
ألست أملح من يمشي علـى قـدم يا أملح الناس كل النـاس إنسانا
ومن حلب الشهباء أنشد أبو فراس الحمداني قصيدته الرائعة "أراك عضي الدمع" :
أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ
ومن الأندلس صدح ابن زيدون بأروع الكلمات في الحب بقصيدته الشهيرة"أضحى التنائي" :
ويا نسيم الصبا بلغ تحيتنا من لو على البعد حيا كان يحيينا
بنتم وبنا، فما ابتلت جوانحنا شوقاً إليكم ولاجفت مآقينا
نكاد حين تناجيكم ضمائرنا يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
أولي وفاء وإن لم تبذلي صلة فالذكر يقنعنا، والطيف يكفينا
أما حديثاً فقد أتحفنا الشاعر إبراهيم ناجي برائعته " الأطلال " التي غنتها السيدة أم كلثوم بصوتها الرائع :
يا فؤادي، رحم الله الهوى كان صرحا" من خيال فهوى
اسقني واشرب على أطلاله وارو عني طالما الدمع روى
كيف ذاك الحب أمسى خبراً وحديثاً من أحاديث الجوى
ولا نستطيع أن ننهي حديثنا عن الحب دون أن نأتي على ذكر الشاعر الكبير الراحل نزار قباني الذي شكل استثناء يكاد يكون وحيداً بين أدباءنا في العصر الحديث، فهو وإن قصر معظم نتاجه الشعري الضخم على موضوع واحد تقريبا هو الحب، إلا أنه لم يفعل كما فعل الشعراء العذريين الذين اقتصرت أشعارهم كلها على محبوب واحد دون غيره، بل جعل نزار قباني من أشعاره كلها تنطق باسم الحب والمحبين جميعاً ومنحهم صوته وقلمه، فتنوعت وتعددت الحبيبات في قصائده حتى في قصائده السياسية لم تغب عن قريحته تعابير الحب الممزوجة بعبق الأنوثة ولم يتخل وهو يكتب عن السياسة عن أسلوبه الغزلي الذي يفصح عن نفسه في حبور، وها هو نزار قباني يقول في قصيدته " متى يعلنون وفاة العرب؟"
أحاول منذ الطفولةِ فتْحَ فضاءٍ من الياسَمينْ
وأسّستُ أولَ فندقِ حبٍ…بتاريخ كل العربْ…
ليستقبلَ العاشقينْ…
وألغيتُ كل الحروب القديمةِ…بين الرجال…وبين النساءْ…
وبين الحمامِ…ومَن يذبحون الحمامْ…
وبين الرخام ومن يجرحون بياضَ الرخامْ…
ولكنهم…أغلقوا فندقي…
وقالوا بأن الهوى لايليقُ بماضي العربْ…
وطُهْرِ العربْ…وإرثِ العربْ…
فيا لَلعجبْ!!
فإذا كان الاحتفال بعيد الحب " فالنتاين" تقليد ومستورد من الغرب، فماذا إذاً عن إبرة الخياطة التي نستوردها من الغرب لنستر بها عوراتنا، وماذا عن الطائرات والسيارات وأجهزة الحاسوب التي نستوردها أيضاً.. تساؤلات كبيرة وأسئلة كثيرة فكل شيء نستورده من الغرب ؟
تاريخنا وتراثنا ليس قبيحاً، بل فيه الكثير من الجمال وقصص الحب التي تفوق قصة "فالنتاين" إنسانية وحباً وأحاسيس جميلة والتي تمتلئ بها بطون الكتب التاريخية والأدبية في مكتباتنا بدءاً من قصة الشاعر قيس بن الملوح العامري ومحبوبته ليلى التي حدثت في صدر الإسلام وقبلها قصة الشاعر عنترة بن شداد ومحبوبته عبلة وغيرها الكثير من قصص الحب التي تستحق أن نحتفي بها فهي تنبع منّا وتنتمي إلينا، فهل نفعل ونحقق أمنية الراحل الكبير نزار قباني في تحرير حبنا من سجنه الكبير؟




















