علم أم حلم، حلم أم علم !؟ تساؤلات رددها سكان ديار بكر ذات الغالبية الكردية بتركيا وهو يستمعون للجوقة الموسيقية العسكرية التابعة للفيلق الجوي الثاني تعزف لحنا للمغني الكردي المغترب بأوروبا منذ 35 عاما «شيفان برفار» علامات استفهام، وتعجب، علت وجوههم في ذهول مما يحدث بإحدى الحدائق العامة، نعم، إنها علم، وهي إحدى أوجه مبادرات الانفتاح الديمقراطي على أكراد تركيا.
ورغم رمزيتها إلا أنها تعبير عن تحول كبير في النظرة للأكراد،ولم تكن لتحدث لولا جهود العدالة والتنمية، ورؤى الرئيس التركي عبد الله غل، وخطابات أردوغان التي عبرت عن ضرورة إنهاء هذا الجرح الغائر في جسد تركيا، خطابات جعلت من عبرات نائبه بلند أرينج تنهمر على خده وهو يستمع إليه يقول: (أياً تكن الأكلاف والأثمان، فلن نحيد عن طريق حل القضية الكردية).
لو أن تركيا، أرجأت مكافحتها للعصابات وحالت دون ارتكاب جرائم الاغتيال التي قيدت ضد فاعل مجهول، ماذا كان حال تركيا الآن؟.
محالٌ أن يستطيع أحد قطع روح الأخوة بين الأكراد والأتراك، أنه مشروع «نهضة تركيا»، ثم أن تأتي هذه الخطوة من الجيش التركي فهي إنجاز لم يكن يحلم به الأكراد في ظل هيمنة الجيش التركي سابقا، أو سيطرة أحزاب قومية، وزعماء موتورين مهووسين بالشوفينية وان تصدر مؤسسة الإذاعة والتلفزيون قرارا يفتح الطريق أمام عرض إعلانات بغير اللغة التركية تلفزيونيا .
فهذا يعني ضمنا إمكانية عرض إعلانات باللغة الكردية عبر قناة «شزش6» الرسمية التي تبث برامجها على مدار 24 ساعة منذ مطلع 2010، وهي أيضا خطوة على درب الانفتاح الإعلامي وعندما تعين مديرية أمن ولاية «آدي يامان» جنوب شرق الأناضول شرطيا يجيد التحدث باللغة الكردية لنجدة الأكراد على خط هاتف نجدة الشرطة (155) فهي خطوة محمودة نالت استحسان ممن لا يجيدون غير الكردية من سكان القرى توفر الأمن للأكراد.
وعندما تعلن «مؤسسة التعليم العالمي» انفتاحها على اللغة الكردية والاستجابة لطلب تقدمت به جامعة «آرتوكلو» جنوبي تركيا لفتح قسم للغة الكردية والأدب الكردي فهذه خطوة على درب الاعتراف باللغة الكردية. وعندما أمرت الحكومة بإعادة الأسماء الأصلية لقرى كردية طالها التغيير ضمن حملة تتريك الاسماء فهذا يعني إعادة الاعتبار للهوية الكردية.
وعندما يبحث وزير الداخلية بصير أتالاري بامكانية القاء الخطب الدينية باللغة الكردية فهذه خطوة على طريق التسامح الديني تحسب لحكومة أردوغان، وعندما تعلن الحكومة نيتها الاستثمار في المناطق «المحرومة والتي أفقرتها المعارك والبطالة القياسية فهي خطوة على طريق تنمية المناطق الكردية التي عانت من التهميش والحرمان زمن الأحزاب القومية.
وعندما يصدر 162 مثقفاً وأكاديمياً وصحافياً تركياً بياناً يعلنون فيه مساندتهم لمشروع أردوغان لحل القضية الكردية فهذا تحول كبير في الحياة التركية انتقل فيه تأييد منح الأكراد حقوقهم من الحكومة للنخبة المثقفة،وعندما يعود ثمانية ناشطين من حزب العمال الكردستاني و26 مدنيا كرديا لتركيا (اكتوبر2009) من مخيماتهم شمالي العراق لوطنهم الأم تركيا فهي خطوة في مجال التعبير العلني عن حسن النوايا.
خطوات رغم رمزيتها إلا أنها علامات على درب الانفتاح الشامل ضمن خطة حكومة أردوغان التي تواجه ثلاث عوامل ضغط في مواجهة اية محاولة لإعطاء الأكراد حقوقهم وتتمثل في: الجيش، الأحزاب القومية، وعائلات واسر الجنود الذين سقطوا في المعارك مع حزب العمال لكردستاني والذين اتهموا أردوغان وحكومته – الذين اعدوا مبادرة «عفو الأمر الواقع» بأنهم يرتكبون خيانة ستحملهم الأمة مسؤوليتها».
حزمة من الخطوات على درب الانفتاح أطلقها أردوغان قوبلت وللأسف من قبل بعض زعماء الأكراد اما بالتهديد كما ورد على لسان مراد قره إيلان الذي تسلم مهام اوغلان في حوار مع صحيفة «ميللييت» ( انه فقط بالكفاح المسلح أمكن تحقيق بعض المكاسب للأكراد) وقوله ( انه لو لم تندلع الانتفاضة المسلحة عام 1984 لكان الأكراد اليوم قد انتهوا)، أو بنزول عامتهم للشارع وترديدهم شعار «الدم بالدم، وسننتقم»، أو بإحراج أردوغان عند عودة الناشطين من حزب العمال في مهرجان تحول لاستعراض عضلات على الحدود،أو باللجوء لحائط المبكى الأوروبي ورفع قضايا ضد الحكومة!
استفزازات، ومراهقة سياسية، وإحراج لحكومة أشاد رئيسها أردوغان بتحالف الأكراد والأتراك ضد الصفويين بمعركة تشالدران، وذكر ببطولات صلاح الدين الأيوبي محرر القدس، وتغنى باغنية «حلبجة» للفنان التركي شيفان، ورغم ذلك يصر بعض قادتهم – على حد تعبير الأستاذ صالح القلاب – ان يبقي «بندقية للإيجار» في يد سماسرة
الموت والدمار وامراء الحرب في العالم.
كاتب وإعلامي فلسطيني
atahboub_@hotmail.com
"البيان"




















