في أعقاب الجولة التي قامت بها وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في المنطقة في الأيام الأخيرة ترددت وجهات نظر ورؤى أمريكية أكثر ثقة في إمكانية عقد لقاءات فلسطينية إسرائيلية غير مباشرة، كمقدمة لإمكانية التحول إلى اللقاءات المباشرة بين الجانبين بعد ذلك، في حالة إحراز قدر من التقدم يكفي للانتقال إلى ذلك الأسلوب في التفاوض، ولكن يبدو أن ذلك لم يعجب الإسرائيليين وحكومة نتانياهو التي تسعي بكل السبل إلى دفع الأوضاع في الأراضي الفلسطينية إلى الانفجار مرة أخرى، وكان الرد المتمثل في الإعلان عن بناء مئات الوحدات الاستيطانية الجديدة في القدس الشرقية المحتلة بالغ الدلالة، ليس فقط بالنسبة للأمريكيين وللمجتمع الدولي وللفلسطينيين وللإسرائيليين أيضا بالغ الدلالة وباعثا على الكثير من القلق أيضا.
ففي حين يشهد المجتمع الإسرائيلي مزيدا من التوجه نحو اليمين، ومزيدا من تأثيرات الاتجاهات المتطرفة في السياسات والمواقف الإسرائيلية خاصة حيال عملية السلام وحل الدولتين الذي تتآكل فرصه بشكل متزايد في ظل الظروف الراهنة، فإن حكومة نتانياهو لا تكتفي بمسايرة تلك التوجهات في مواقفها وسياساتها، ولكنها تحولها إلى مواقف وممارسات عملية، تشكل في الواقع عقبة حقيقية وتبديدا متعمدا لفرص السلام والتسوية العادلة وإمكانية التعايش في المنطقة إذا حل السلام.
وإذا كانت الحكومات الإسرائيلية تسير في الواقع في إطار تنفيذ برامج وسياسات تحظى باتفاق عام على أسسها من جانب كل الأحزاب والقوى في إسرائيل، فإن حكومة نتانياهو تأخذ على عاتقها في هذه المرحلة تحقيق توسع ملموس في عمليات الاستيطان في الضفة الغربية بوجه عام وفي القدس المحتلة بوجه خاص، مع العمل للحد من أعداد الفلسطينيين في القدس الشرقية وطرد أكبر عدد منهم إلى خارج القدس وهدم منازلهم ومصادرتها من جانب الحكومة أو بلدية المدينة لإعادة تخطيطها ضمن مخططات التهويد المنظم الجاري تنفيذها على قدم وساق.
نعم تعلم إسرائيل جيدا أن ممارساتها الهمجية، خاصة في مدينة القدس الشرقية المحتلة تنتهك كل القوانين والأعراف الدولية وقرارات مختلف المنظمات والهيئات الدولية وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، ولكنها تعمد في الواقع إلى التزييف والمراوغة وقلب الحقائق، من أجل خداع العالم والرأي العام العالمي الذي أخذ يدين بشكل متزايد ممارساتها غير الانسانية ضد الشعب الفلسطيني. ومخططاتها الاستيطانية التي تنسف في الواقع فرص السلام والاستقرار في المنطقة.
وإذا كان الحديث قد خفت، إلى حد التلاشي، حول حل الدولتين، وحول الالتزام بالتسوية العادلة والشاملة التي تعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، على أرضه التي احتلتها إسرائيل عام 1967، فإنه من الواضح أن حكومة نتانياهو تدفع الفلسطينيين إلى القيام بأعمال عنف ضدها بشكل أو بآخر؛ لأن مثل تلك الأعمال التي لا تؤثر بشكل قوي في إسرائيل، توفر لها مبررا تستند إليه للمضي في قمعها وأعمالها الإجرامية ضد الفلسطينيين، بما في ذلك حصار غزة، وإغلاق الضفة، وتجريف الأراضي وحرق المحاصيل، وإطلاق قطعان المستوطنين للاعتداء على المقدسات الإسلامية في القدس الشرقية، بما في ذلك تهديد المسجد الأقصى من خلال استمرار الحفريات تحته وفي محيطه بزعم البحث عن الهيكل اليهودي.
وفي مواجهة هذه اللعبة المكشوفة التي تريد إسرائيل من ورائها تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل محاولات تحريك عملية السلام، بدفعهم إلى أعمال عنف، فإن تأكيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس وحكومة فياض على تجنب اللجوء إلى العنف من شأنه أن يفشل المحاولة الإسرائيلية بشكل أو بآخر. من جانب آخر فإنه من المهم والضروري أن تبادر الأمم المتحدة وكل المنظمات والهيئات الدولية العاملة من أجل السلام بإدانة عمليات الاستيطان الإسرائيلية والعمل على وقفها وإزالتها حتى لا تؤثر على إمكانية قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967. أما الإمعان في فرض واقع الاستيطان والتهويد فإنه لن يدع سبيلا للأمن والاستقرار لا لإسرائيل ولا للمنطقة ككل




















