دمشق ـ «القدس العربي»: فتحت الأحوال المدنية في سوريا تسجيل الواقعات كالولادات وحالات الزواج والطلاق والوفيات وغيرها، بعد توقفها لمدة تجاوزت السبعة أشهر منذ سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، في ظل تقديرات بوصول عدد حالات الولادة خلال هذه الفترة إلى أكثر من نصف مليون طفل لم يتم تسجيلهم، ما تسبب بانتقادات كبيرة.
وما أن بدأت الأحوال المدنية بفتح باب التسجيل أول من أمس الأحد، حتى توافدت أعداد كبيرة من السوريين لتسجيل واقعاتهم، وخصوصاً فيما يتعلق بالولادات، ما شكل ازدحاماً كبيراً وغير مسبوق على مراكز السجل المدني حسب ما شاهدته «القدس العربي» من خلال جولتها ضمن مبنى النفوس في جسر الثورة وسط دمشق، وهو المقر العام للأحوال المدنية على مستوى البلاد.
ويضطر المراجع للأحوال المدنية للانتظار لفترة طويلة قد تصل إلى أكثر من ساعتين للحصول فقط على دور إلكتروني، ومن ثم ينتظر لساعات حتى يأتي دوره، وسط حالة من التذمر الكبير من المراجعين نتيجة هذا الضغط.
تطوير البرنامج الإلكتروني
مصادر الأحوال المدنية كشفت لـ«القدس العربي» أنه ومنذ فتح الباب وخلال يوم واحد تم تسجيل آلاف واقعات الولادات، ولكن نتيجة الضغط الكبير، فإن الكثير لم يستطع تسجيل واقعاتهم ما اضطروا للرجوع في اليوم التالي، مشيرة إلى أن إعادة فتح باب التسجيل تمت في جميع مراكز السجل المدني ويستطيع المواطن السوري تسجيل الواقعة في المنطقة التي يوجد فيها، وإن لم يكن من المنطقة ذاته، باعتبار أن البرنامج الذي يتم العمل فيه حالياً موحد لكل المراكز.
وأشارت المصادر إلى اختصار الإجراءات بالنسبة للولادات وبات مطلوبا من صاحب العلاقة أن يأتي بتقرير المشفى الطبي من دون أن يراجع المختار للحصول على شهادة منه، وهذا الإجراء سهل كثيراً على المواطنين عملية التسجيل، مؤكدة أنه لن يتم أيضاً تغريم المواطنين باعتبار أن التأخير سببه توقف تسجيل الواقعات من قبل الأحوال المدنية.
وأوضحت المصادر أنه وبمجرد أن يقدم صاحب العلاقة شهادة الواقعة، يتم إنزاله على الحاسب مباشرة، من دون أي تأخير، مؤكدة أن من بين بعض المشاكل التي نواجهها السوء في شبكة الاتصالات التي يمكن أن تعيق العمل، وخصوصا إذا توقفت الشبكة لفترة ما مما يؤدي إلى توقف كامل العمل.
وأعادت المصادر سبب التأخير في إعادة فتح باب التسجيل إلى إجراء تعديلات على البرنامج الإلكتروني المستخدم في التسجيل، من دون أن تذكر تفاصيل أخرى، مشيرة إلى أن هذا التأخير أثر كثيراً وشكل ضغطاً كبيراً على موظفي الأحوال المدنية وكادرهم القليل أصلاً.
استياء المراجعين
الكثير من المواطنين الذين التقتهم «القدس العربي» عبروا عن استيائهم من الوقوف الطويل للحصول على دور ومن ثم انتظار دورهم حتى تسجيل الواقعة، حتى أن بعضهم أكدوا أنهم كانوا هناك منذ ساعات الصباح الباكر جداً للحصول على دور ورغم ذلك تفاجأوا بوجود طابور طويل أمامهم.
بعد توقف لسبعة أشهر… واستياء من الانتظار
وقال سامر، وهو من دير الزور ويقيم في دمشق، إنه اضطر للانتظار لأكثر من ساعتين للحصول على الدور الإلكتروني، ومن ثم عليه الانتظار لساعات حتى يأتي دوره ويسجل واقعة الولادة، متسائلاً عن الأسباب التي أدت إلى هذا الازدحام ومحملا في الوقت ذاته الأحوال المدنية مسؤولية إيقاف التسجيل ومن ثم فتحه بشكل مفاجئ من دون ان يكون هناك تدرج، أي أن يتم فتح تسجيل واقعات الولادات أولاً ومن ثم حالات الزواج والطلاق ومن ثم باقي الواقعات.
الشاب إبراهيم اعتبر أنه من غير المقبول أن ننتظر لساعات طويلة من أجل تسجيل واقعة الولادة، مؤكداً أنه منذ أن بدأ التسجيل وهو يراجع الأحوال المدنية، متوقعاً أنه يحتاج إلى أيام حتى يستطيع تسجيل ابنه في الأحوال المدنية، مطالباً أن يتم التسجيل حالياً للولادات التي حدثت منذ سبعة أشهر ومن ثم يتم التدرج في ذلك حتى لا يكون هناك ازدحام كبير كما يحدث حالياً على الأحوال المدنية.
واشتكى الكثير من المواطنين من التأخير من تنزيل واقعات ولادات المغتربين على الحاسب، وأن كل واقعة تحتاج إلى أكثر من عشرين يوماً وأحياناً لشهر كامل، فقال باسم وهو أخ لأحد المغتربين، إنه قدم شهادة ولادة بنت أخيه منذ شهر وحتى الآن لم يتم تنزيلها على الحاسب، علماً أنه راجع الأحوال المدنية أكثر من ست مرات وكان الجواب ذاته: هناك ضغط، مشيراً إلى أن أخاه مضطر لتسجيل ابنته كي لا يتعرض للمخالفة في البلد المقيم فيه وعليه أن يجدد إقامته بعد شهر، مؤكداً أنه بعد تسجيلها في الأحوال المدنية فإنه يحتاج إلى شهر آخر حتى يستطيع الحصول على جواز سفر لها.
إرباك إداري
واعتبر الباحث والأستاذ في قسم علم الاجتماع في جامعة دمشق، عبد الحميد سويس، أن التأخير في تسجيل واقعات الولادات الحديثة للفترة الماضية التي لا تزيد كثيرا عن سبعة أشهر، لا تشكل أي معضلة اجتماعية، وإنما هي طبيعية كما معظم الأمور التي واجهت الإدارة السورية الجديدة واجتهدت حتى وجدت حلولا لها، فتمت إعادة فتح باب تسجيل الولادات.
وأوضح لـ «القدس العربي» أن الطفل بما أنه يعيش في كنف والديه وتم تسجيله في السنة ذاتها فلن تكون هناك أي إرباكات اجتماعية، ولكن قد نجد مثل هذه الارباكات، إن كان الطفل من مواليد تعود لسنوات قبل سقوط النظام، وكان أهله قد امتنعوا عن تسجيله حينها خوفا من سوقه إلى الخدمة الإلزامية، وهذه حالة كانت قد انتشرت في سوريا، واليوم عاد هؤلاء لتسجيل أبنائهم بعد انتهاء شبح السوق للجيش مع سقوط النظام البائد.
ورأى أنه قد تكون هناك إرباكات شرعية لتأخر تسجيل الواقعات إن كانت خاصة بالولادات الجديدة أو الوفاة أو تثبيت عقود الزواج، وخصوصا إن حصلت حالة وفاة لأحد والدي الطفل وبات الأمر بجانب من جوانبه، يرتبط بالإرث الشرعي وغير ذلك من القضايا.
كما أوضح أن أكثر الإرباكات التي حصلت هي إرباكات إدارية ولها علاقة بالفساد، نتيجة تأخير إطلاق شبكة الأحوال المدنية، أو شبكة وزارة الداخلية، حيث بدأ مباشرة ظهور بعض السماسرة ممن استغل الازدحام الكبير وحاجة البعض لتحصيل وثائق بسرعة لارتباطهم بمواعيد سفر مثلا، بهدف تحصيل مبالغ كبيرة لاستصدار الأوراق المطلوبة ومن ضمنها مثلا ورقة «لا حكم عليه»، التي بات البعض يطلب مبالغ لإصدارها تصل إلى 750 ألف ليرة، أي ما يعادل 75 دولارا، في حين أنها لا تكلف إلا بضعة آلاف فقط.
- القدس العربي


























