تجلت قوة إسرائيل، منذ نشأتها، من خلال قدرة قادتها، وبخاصة من يصفونهم في أدبياتهم بـ(الآباء المؤسسين) على صوغ توليفة، من أساطير دينية وأفكار قومية، لإدارة الحراك السياسي، وجعل المجتمع الإسرائيلي مستعدا للسير خلف مؤسسته الحاكمة وتحقيق أهدافها، وقد تعزز ذلك من خلال قدرة إسرائيل بالحصول على الدعم الدولي المطلق (وخاصة من الدول الكبرى)، وكذلك قدرتها على ردع أخصامها بقوة، وساهم كل ذلك في تحقيق قدرمن الاستقرار كان من نتيجته تحول إسرائيل إلى قطب جاذب للطاقات اليهودية في العالم والتي أسهمت بدور مهم في تعزيز قدرات إسرائيل ومكانتها.
وما زاد من قوة إسرائيل، وخاصة في العقد الأخير من القرن الماضي، هجومها الاستراتيجي على المنطقة، من خلال تقديم نفسها كطرف راغب بالسلام والاندماج في محيطها الإقليمي، وذلك عبر طرحها لمشروع الشرق أوسطية، الذي أعطاها زخما كبيرا أسهم في توسيع مروحة خياراتها الإستراتيجية، كما أضاف لها قوة دفع ديبلوماسي حققت من خلالها فتوحاتها الكبرى في أسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
التحديات التي تواجهها إسرائيل في بداية العقد الحالي، تتمثل بفقدانها لأغلب تلك المزايا، إما بسبب متغيرات إستراتيجية أفقدتها قدرتها الردعية، وحولتها من مطلقة الى نسبية، وذلك لقيام خصومها بتطوير استراتيجيات موازية، اوبسبب إصرارها على استخدام القوة المفرطة في مواجهة خصومها، لتلافي الضعف الواضح في قدراتها، الأمر الذي حوّلها إلى دولة خارجة عن القانون، وجعل من تأييدها أمراً خارجاً عن نطاق الأخلاق والقيم الإنسانية.
غير أن أخطر التحديات التي تواجهها إسرائيل في المرحلة المقبلة تتمثل بضعف النخبة السياسية فيها، وكذلك الافتقار الى القدرة على ابتداع الأفكار ذات البعد الاستراتيجي والتي جعلت إسرائيل في مرحلة سابقة بمثابة ضرورة للقوى العظمى. على العكس من ذلك، فإن إسرائيل، تختار العيش في غيتو كبير، وتتعرض، بشكل متزايد، لهجرة معاكسة تضعها أمام تحدي إمكانية تحولها إلى دولة لكل يهود العالم، أو دولة يهودية، على ماتريد النخب فيها.
ويكشف استطلاع للرأي أجراه (معهد رافي سميث) معطيات مذهلة عن المجتمع الإسرائيلي، فمع دخول العام 2010، يشير 69% من المستطلعة آراؤهم بأن مجتمعهم بات اقل تراصا، كما يعتقد 47% منهم ان إسرائيل أصبحت اشد عنصرية، وان 82% وضعوا أنفسهم في الجانب الأيمن من الخريطة السياسية، وعن مستوى الثقة في القيادة ومؤسسات الدولة فهو ضعيف عند 67% منهم، وقال 57% إنهم اقل تفاؤلا بشأن الدولة.
وعلى ما سبق، فإن نقاط الضعف الإستراتيجية بالنسبة لإسرائيل تتمثل في الآتي:
– تراجع قدرات إسرائيل الردعية.
– عدم قدرة قادتها على القيام بمبادرات إستراتيجية فاعلة، وتجمد الفكر السياسي.
– انتهاء إسرائيل كنموذج جاذب للهجرة.
– تواجه إسرائيل في المرحلة القادمة تحدياً يتعلق بتآكل شرعيتها وصدقيتها ومكانتها في العالم كدولة استعمارية عنصرية ودينية وعدوانية.
– مواجهة الخطر الديموغرافي، الذي بات من أهم التحديات التي تعترضها، في سعيها للحفاظ على وضعها كدولة يهودية.
ويستنتج من ذلك أن إسرائيل في كل هذه الأمور باتت مربكة ومحشورة، في هذا الوضع المعقد والمتداخل، وهو ما سينعكس حكما على قدرتها وإمكانية تحسين وضعها في تراتبية القوة الإقليمي، ومن المرشح تحول هذه الأمور، مع تقدم العقد الحالي، الى نوع من الاستاتيكو من شأنه تشكيل أخطار وجودية على إسرائيل.
المستقبل




















