كثيراً ما يغمط حق الخميني والثورة الإسلامية في إيران فيما يتعلق "بالصحوة الاسلامية"، إذْ يغلب أن تُنسب جذور الصحوة إلى أسئلة أبي الأعلى المودودي، مروراً بالتجربة الإخوانية، وانتهاء بالتنظيمات الجهادية مُروّسة بالقاعدة. يمكن هنا تتبّع ما كتبه الشيخ القرضاوي عن الصحوة.
وفي الجانب الشيعي يُعطى، وبحق، للثورة الإيرانية التأثير الحاسم في الصحوة إياها ودفعها إلى مستويات أعلى. وموضوعياً يمكن للمرء ملاحظة تأثير الثورة الإسلامية في ازدياد شهوة الاسلاميين إلى السلطة والقوة. وأيضاً يمكن هنا تتبع ما كتبه المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله عن الصحوة.
يبني الإسلاميون* شيعةً وسنة على أن الاسلام أُبعد عن الحكم، وأنه آن الآن لأن يحكم. وسواء أكان الشعار "الحاكمية لله" أم كان "ولاية الفقيه، الإمام" فإن الغاية النهائية هي الحكم السياسي والسيادة على الدولة والمجتمع.
انتصرت الثورة الإسلامية في إيران وشرعت على الفور في تطبيق شعاراتها الإسلامية. رُكزت السلطات في يد الخميني تطبيقاً لنظرية الإمامة في المذهب الشيعي، وأقرّ دستورٌ إسلامي، وبدأت التحضيرات لتصدير الثورة إلى الجوار، بالأخص إلى العراق ودول الخليج.
ظهر تأثير الثورة على الإسلاميين السنة في مظاهر عديدة ومختلطة، فيها شيءٌ من التضامن والكثير من الغيرة ومحاولة التقليد. مشهور ومعروف أن وفودا إخوانية من بلدان عربية مختلفة حجّت إلى طهران ورغبت في التقارب، حتى إخوان سورية الذين وقع ما وقع بينهم وبين النظام السوري الحليف القوي لإيران؛ ظلوا يحاولون بناء علاقة مميزة مع الثورة، إلى أن يأسوا والتحقوا بالنظام العراقي.
في رد فعل مباشر تقريباً بدا واضحاً على الإسلاميين السنة أنهم سائرون على الدرب الذي أضاءه الخميني للتوّ، وبدأت محاولات الاستيلاء على السلطة. فقد شرعت منظمات متعددة في مصر وسورية عمليات عنف تطال الرموز السياسية. أي أن وهج الاستيلاء على الحكم في إيران صار مثالاُ يحتذى. ولم يمض وقتٌ حتى استعرت الحرب الجهادية في افغانستان، لتتوج بانسحاب السوفييت 1989. وفي الجزائر ظل المدّ الإسلامي يعلو إلى أن فاض في هيئة حرب أهلية. وفي السودان حاولت الجبهة الاسلامية تتبع أثر الجمهورية الاسلامية في إقامة نظام إسلامي، الأمر الذي أدى إلى حروب أهلية متعددة. وفي كل الأحوال لم يخل بلد عربي من صحوة هدفها السلطة والسيادة.
وسيساعد التشدد الذي أظهرته الجمهورية الإسلامية والخميني شخصياً المنظمات السنية الأصولية على التشدد أكثر فأكثر، وهي التي لم يكن ينقصها التطرف في التفكير، وإنما كان ينقصها إلهام البدء بالتنفيذ.
ساهم الخميني والثورة الإسلامية في ظواهر وأمور غاية في الخطورة، سيبقى مفعولها شديد التأثير في الاسلام السياسي.
منها أولاً، وخلافاً لكل كلام تصالحي عن أخوة اسلامية، مسؤولية الخميني عن ثماني سنوات حرب، راح ضحيتها مليونان من القتلى والجرحى العراقيين والإيرانيين. مما لا شك فيه أن نظام صدام يتحمّل بدء الحرب الشاملة، لكن الجانب الإيراني يتحمل مسؤولية استمرارها، علاوة على محاولة تصدير الثورة. أشهر مثال على إن تصدير الثورة وُضع موضع التنفيذ تلك الرسالة التي أرسلها الخميني وبالبريد العادي للصدر في أن يبقى في العراق كي يقود الثورة.
أما ثانيها وأخطرها على الاطلاق، فكان ظهور أول أشكال العمليات الانتحارية المترافقة بتحريض ديني هوسي وبمفاتيح الجنة. الدرسُ الذي سيستفيد منه جهاديو السنة وإسلاميوها، ليطوروه إلى مدياته القصوى في 11 سبتمبر.
ومنها ثالثاً فتوى الخميني في قتل "سلمان رشدي" صاحب آيات شيطانية مزايدةً على الأزهر المصري، في محالة لإظهار أيهما، قم أم الأزهر، أولى بتمثيل الاسلام. بهذه الفتوى نقل الخميني والجمهورية الاسلامية الكتابةَ والآراءَ والأفكار إلى ما تحت مزراب الفتاوى، التي ستنطلق هذه المرة بالألوف من الجانب السني في ما لا طعم له في أكثر الأحيان. والآن يمكن لأي راصد أن يرى إلى أي حدّ تتحكم الفتاوى في حياة المسلمين، وله أن يرى هذا النمو الفاحش والطفيلي للمفتين.
ومنها رابعاً وأخيراً تقديس القوة الخشنة والسعي إلى امتلاكها بأي ثمن، حتى لوكان التعاون مع اسرائيل كما حدث في "إيران غيت". وكما حدث في السلب والنهب لتمويل عمليات القاعدة في العراق. وكما يحدث الآن فيما يخص برنامج إيران النووي. هذا البرنامج الذي تريد الجمهورية الإسلامية أن تضفي عليه هالة من القدسية وكأنه خشبة خلاص، حتى عندما ترتفع معدلات الفقر في إيران إلى مديات غير مسبوقة.
هل من المستغرب إذن أن يُنسب "أبطال!" 11 سبتمبر إلى الإشعاع المبهر للثورة الإسلامية وللخميني ذاته إضافة إلى القاعدة وابن لادن.
* يجب أن لا نملّ من تكرار التعريف بمصطلح الاسلاميين، ومن التركيز على أن مصطلح إسلامي لا يطابق مصطلح مسلم. باختصار مبتسر الإسلامي هو الذي يستخدم الدين في السياسة.
محمد الحاج صالح
النرويج
17/2/2010




















