مرة أخرى يثبت العرب أنهم دعاة سلام وساعون إلى كل ما من شأنه أن يضع الموازين القسط، ويعطي كل ذي حق حقه عندما قررت اللجنة الوزارية العربية لمتابعة مبادرة السلام في ختام اجتماعها أمس إعطاء الفرصة لمباحثات غير مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في محاولة أخيرة تسهيلًا لدور الولايات المتحدة على أن يكون للمباحثات حد زمني أربعة أشهر، رغم عدم الاقتناع بجدية إسرائيل في السلام. وذلك في تبيان واضح لا يقبل الشك في أن الطرف المعرقل كان ـ ولا يزال ـ هو الجانب الإسرائيلي الذي يتمادى في وضع العراقيل والعقبات، ويناور ويتملص حين بزوغ لحظة استحقاق أو تبلور موقف دولي يسعى إلى تحقيق السلام.
إن مدة أربعة أشهر هي فترة إضافية إلى ما سبق من سنوات عجاف كانت دائمًا ما تنبئ عن حمل، ثم سرعان ما يتبين كذبه، فعلى مدى ما يزيد على ستين سنة من اغتصاب فلسطين، وما يزيد على ست عشرة سنة من توقيع اتفاقيات أوسلو أكد العرب صدق نياتهم ورغبتهم في العيش جنبًا إلى جنب مع دولة اسمها إسرائيل بجوارها دولة فلسطينية مستقلة تضع حدًّا للتهجير وللدماء والأموال التي يعبث بها على مر تلك السنوات الإسرائيليون الذين ضربوا بكل قرارات الشرعية الدولية عرض الحائط.
إن أربعة أشهر تنطق بلسان عربي مبين أننا ما زلنا على عهدنا للسلام طامحين وساعين ومنتظرين ماذا يقول ويفعل أولئك الذين لا يزالون يفضلون النظر إلى قضايانا بالعين الإسرائيلية، وعلى رأسهم الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي أول من بشر بأنه مع حل الدولتين وسيعمل عليه، وأنه ضد التمدد الاستيطاني الملتهم للأرض الفلسطينية والمعطل لقيام دولة فلسطينية مستقلة متصلة جغرافيًّا، والذي نكص على عقبيه من بعد قوة أنكاثًا، مقدِّمًا التنازل للحليف الإسرائيلي، مستسلمًا لضغط اللوبي الصهيوني، فأخذ يدحرج مشاريع حله ويحذف ويضيف وفق مقدار الضغط الذي يتلقاه.
ففيما يخص الاستيطان ـ على سبيل المثال ـ دُحرجت الألفاظ وأُوجد لها مشتقات هي أقرب إلى الاستسلام منها إلى صنع السلام، فبين عشية وضحاها تغير الطلب من (وقف) الاستيطان إلى (تجميد جزئي ووقتي) له، ليمتد الأمر إلى المطالبة بالتطبيع بالتزامن مع استمرار سرقة الأرض وتهويد القدس المحتلة وتغيير المعالم العربية والإسلامية فيها، وتهجير المقدسيين الفلسطينيين منها وهدم منازلهم، ثم المطالبة بالاعتراف بما يسمى يهودية إسرائيل، وكل ذلك يتم تحت طائلة "لا بد من تقديم العرب خطوات ومبادرات إيجابية".
إنها أربعة أشهر على الرغم من التحفظ الذي أبداه البعض، فإنها ترمي مجددًا الكرة في الملعب الأميركي واللجنة الرباعية الدولية، فهي اختبار حقيقي لمدى قدرة اللاعب الأميركي على ملء الفراغات والثقوب التي أحدثتها إسرائيل في مسار عملية السلام والتسوية، جراء الانتهاكات والممارسات غير الإنسانية وغير الشرعية، سواء في القدس المحتلة أو الضفة الغربية أو قطاع غزة أو في المسجد الأقصى، ما جعل الخرق يتسع على الراقع، ولو أن الإدارة الأميركية استمرت في موقفها الرافض للاستيطان والبدء بمفاوضات الحل النهائي تمهيدًا لحل الدولتين لكانت في أريحية من أمرها، ولذلك عليها الآن أن تتحمل مسؤولية تهاونها ورضوخها للمماطلات والشروط التعجيزية الإسرائيلية.
إنها أربعة أشهر رغم كل اليقين بأنها لن تجود على العرب والفلسطينيين، لكنها كانت ضرورية لإلقاء مزيد من العبء على رعاة السلام وتوضيح النيات، وفي الوقت نفسه سيرًا على المثل القائل "تابع الكذاب حتى عتبة الباب"، لكن شرط أن لا يقدم العرب تنازلات تسمح بأن تنتقل المفاوضات غير المباشرة إلى مفاوضات مباشرة انتقالًا تلقائيًّا وسط استمرار قضم ما تبقى من الأرض الفلسطينية والاستيلاء على المقدسات والآثار العربية والإسلامية والمسيحية.
كل الآمال معقودة ـ بعد هذا التنازل العربي المؤلم ـ في خطوة أميركية موازية، إذا ما فشلت المفاوضات، بعدم عرقلة أي تحرك عربي قادم، سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة إذا كانت فعلًا جادة وصادقة في رغبتها في تحقيق السلام، وليس مساندة إسرائيل في إضاعة الوقت وإدخال المنطقة في توترات إقليمية وإشعال حروب وفتن لا طائل من ورائها سوى إحداث التدمير والخراب والقتل.




















