تفرض الحكومات العربية جميعها الرقابة على الكتب والمطبوعات والمواقع (الإلكترونية) وعلى البريد الإلكتروني وأحياناً على الرسائل والبريد العادي بذريعة الحفاظ على (الأخلاق العامة، والأمن القومي، ومصلحة الأمة وما يشبهها) كما تزعم إدارات الرقابة العربية عند سؤالها عن أسباب الرقابة، والمدقق في أنظمة الرقابة العربية وشؤونها وشجونها يلاحظ أن مبرر الرقابة هذا شديد الغموض والإبهام وقابل للتأويل والتفسير المتعدد، إذ أن مصطلحات الأخلاق العامة والأمن القومي يصعب تعريفها بدقة أو الاتفاق على مضمونها، وغالباً لا يتفق إثنان على تحديد مصطلحها.
وفي هذه الحالة وبالضرورة يعود التعريف أو التوصيف إلى الرقيب الذي ينوب عن الحكومة والنظام السياسي والأمة في إقرار المنع والرفض وتولي الوصاية على حق التعبير والتواصل وعلى الحريات الشخصية والتوجهات الثقافية وتقويمها وتثمينها وبيان ضررها أو فائدتها.
وهكذا يصبح من حق فرد واحد أن يغلق مصادر ثقافية أو فكرية أو مواقف سياسية ويحرم الأمة بكاملها من التعرف عليها وينصّب من نفسه وصياً على الشعب ومدافعاً عن أمنه وقيمه وتقاليده، التي يصبح تأويلها من حق هذا الرقيب وحده وهو بطبيعة الحال يخطئ ويصيب، وتتدخل أفكاره ورغباته وأهواؤه ومواقفه السياسة والفكرية وعقائده في المنع أو السماح.
المشكلة الأخرى في نظام الرقابة العربية والتي تشكل عبئاً كبيراً على حرية التعبير، هي عدم وجود نظام رقابة مكتوب مفصل يحتوي على الممنوعات أو على النهج الذي ينبغي أن يتبع في الرقابة، وتعمل الرقابة العربية في الغالب الأعم مسترشدة بالتعليمات الشفهية، وهي تعليمات غير محددة المعالم ولا مفصلة ولا مثبتة خطياً أمام كل رقيب كمرجعية.
مما يتيح له المجال كي يجتهد ويعمل على هواه، وكثيراً ما يمنع رقيب نشر كتاب أو صحيفة أو إدخالهما إلى البلد المعني في ضوء استنسابه الشخصي، بينما إذا عرضا على رقيب آخر يسمح بهما لأنه استنسب ذلك، وكثيراً ما يعمد الناشرون إلى إعادة عرض الكتاب والصحيفة على الرقابة مرة أخرى أمام رقيب آخر فيسمح بهما بعد أن كانا ممنوعين.
منذ تفجر الاتصال قبل عقدين أصبح بإمكان المتلقي أن يصل إلى المادة الثقافية والإعلامية بالرغم من كل أنواع الرقابة المفروضة في بلده، فالشبكة الإلكترونية (الأنترنيت) والمواقع الإلكترونية العديدة والقنوات الفضائية، يمكنها أن تتيح له قراءة الصحف ومعظم الكتب والمقالات والاطلاع على الحركة الثقافية في العالم كله.
سواء قبلت الرقابة في بلده أم رفضت، ولم تعد لا إجراءات الرقابة ولا حجب المواقع الإلكترونية قادرة على منع المتلقي من الحصول على المعلومات السياسية أو المواد الثقافية التي يريد، وعلى ذلك فقد أصبح من غير المجدي فرض أية إجراءات رقابية مهما كانت شديدة ومتنوعة، فالعالم مفتوح أمام من يرغب بالحصول على المعلومات والمواقف والآراء والأفكار السياسية أو الثقافية أو حتى الإخبارية لأنها أصبحت مؤممة وبمتناول الجميع، ومن العبث تجاهل هذه الحقائق والاستمرار في فرض إجراءات رقابية لا جدوى منها ولا فائدة.
لم تعد للأنظمة السياسية أية سلطة على شعوبها في اختيار الثقافة التي تريد أو فرض الرقابة على ما لاتريد، وأصبحت وسائل الاتصال والإعلام متداولة من الجميع وخاصة منها القنوات الفضائية، مما يؤكد تهافت الإصرار على استمرار الرقابة في أي بلد ولأي موضوع. خاصة أنه تأكد من خلال الممارسة أن المادة الثقافية أو الإعلامية التي تطالها الرقابة تنتشر بسرعة أكبر وبسعة أكبر مما لو سمح بتداولها، وتصبح الرقابة في هذه الحالة وسيلة لنشر الممنوع وترويج الذي لا تريد وصوله إلى المتلقي وتؤدي مهاماً عكس المهام التي أوجدت من أجلها..
نصت دساتير الدول العربية (أو قوانينها الأساسية) جميعها على أن حرية التعبير وحق المعرفة مصانان ومحميان بالدستور، ولكنها جميعها أيضاً أشارت إلى أن هذه الحماية تقع في إطار القانون أو حسب القانون ولم تصدر القوانين المفسرة لهذه المادة في معظم البلدان العربية، وعلى ذلك بقيت حقوق التعبير والاتصال معلقة بحكم الواقع، والقوانين التي صدرت في بعض البلدان لتفسرها وتشرحها كبلتها وألغت مفعولها عملياً.
وأصبح القانون في الواقع أقوى من الدستور، وبالتالي فقد الإنسان العربي حقوقاً أساسية من حقوقه وهي حق المعرفة والتواصل والتعبير فضلاً عن الحق في الحرية، وهذه جميعها من حقوق الإنسان الأساسية التي أقرتها الأمم المتحدة وضمنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أقرته عام 1948 وصدقت عليه الدول العربية، وقبلت أن تكون له الأولوية على قوانينها المحلية، لكنها لا تأخذ به في هذا الجانب على الأقل.
إن حرمان الإنسان العربي من هذا الحق ليس هو المشكلة الأكبر فالمسألة الأهم منه هي حرمانه من معرفة ما يجري في العالم من تيارات إعلامية وثقافية وحوار وآراء وصراعات، وبالتالي يصبح ناقص الثقافة أو مشوهها، جاهلاً بالتيارات الثقافية والمعرفية وبإنتاج الفكر الإنساني وخيارات الشعوب.
مما يجعله هشاً وضعيفاً أمام الاختراق الثقافي الخارجي بل وأمام ما يهدده من مخاطر العولمة والليبرالية الجديدة والآراء والأفكار والمواقف التي تتربص به والتي أصبحت جائحة لن تردها الإجراءات الرقابية بل تحتاج إلى مناعة ذاتية لا يمكن اكتسابها وتعزيزها إلا بمزيد من الحريات وخاصة حرية التعبير واحترام الحق بالمعرفة، في عصر تفجر المعلومات والاتصال.
كاتب سوري
"البيان"




















