جاء في بيان للجان التنسيق المحلّية في شهر أغسطس عام 2011 في سوريا، حين ابتدأ الناس يتلمّسون أولى ملامح التغيير في ثورتهم، ما يلي: «إن قضية الثورة السورية المجيدة لا تقتصر على إسقاط النظام، بل هي تتطلع إلى بناء نظام ديمقراطي وطني، يصون حرية السوريين وكرامتهم، ويضمن كذلك استقلال البلاد ووحدة مجتمعها وشعبها. إننا نرى في إسقاط النظام الهدف الأولي للثورة، لكنه ليس غاية بحد ذاته، إنما الغاية هي حرية سوريا وحرية السوريين. وطريقة إسقاط النظام تحدد كيف ستكون سوريا بعده. فإذا أسقطناه بمظاهراتنا السلمية، التي تشارك فيها مدننا وبلداتنا وقرانا، ونساؤنا وأطفالنا ورجالنا، كانت فرص الديمقراطية في بلدنا أكبر بكثير، مما لو سقط بمواجهة مسلحة، على صعوبة ذلك أو حتى استحالته، أو بفعل تدخل عسكري دولي، وستكون الثورة أسست شرعية جديدة تؤسس لمستقبل كريم لسوريا كلها».
إنّ شرارة التغيير المرجوّ تنطلق من إسقاط النظام، لكنّ مضمونه وجوهره في عقل شباب الثورة هو الديمقراطية التي تصون حرية السوريين وكرامتهم، واستقلال البلاد ووحدة مجتمعها وشعبها، باتّجاه شرعية جديدة تؤسّس لمستقبل كريم لسوريا كلّها.
للحكومة السورية الحالية أن تحوز الرضا العام وتحمي أمن جميع السوريين الفردي والجماعي، الاجتماعي والاقتصادي والسياسي… ثمّ تنظر من دون تلكّؤ في الديمقراطية
مع «مؤتمر النصر» الذي انعقد على أساس «من يحرّر يقرّر»، وأعطى الصلاحيات بمجملها للرئيس الجديد، ومن حرّر هو الفصائل على ما انتهت إليه في الأعوام الأخيرة؛ ثمّ نقل «حكومة إدلب»، كما هي في الأسابيع الأولى إلى كل البلاد، ثمّ «مؤتمر الحوار الوطني»، الشكلانيّ بإصرار عجيب، وتشكيل الحكومة الانتقالية – كما سميت- بنموذج باهت وشاحب عن «مشاركة الأقليّات».. وغير ذلك! «قطعت جهيزة قول كلّ خطيب» حين اندلعت أحداث الساحل، وأسفرت عن مجزرة أيقظت من الحلم، وتمّ بثّ وتعميم الردّ على من ينتقد ما حدث بنتيجتها: هي حدّ أدنى كان متوقّعاً أضعاف أضعافه بعدما حدث خلال أربعة عشر عاماً، وهذا عمل «أولياء الدم». رغم ذلك تفاءل الناس، وأهل الساحل منهم، باتّفاق العاشر من مارس هذا العام بين الشرع ومظلوم عبدي، الذي عبّر عن العزم على بناء الوحدة الوطنية والاعتراف بالحقوق الكردية. لكنّ مصير هذا الاتّفاق ما زال مجهولاً بجوهره الحقيقي. كان هذا على هامش البحث عن الشرعية- التي أرادها شباب الثورة جديدةً «تؤسّس لمستقبل كريم لسوريا كلها»- لكنّ مناط ذلك البحث كان في الخارج بشكلّ خاص، مع تنويعات داخلية، حدث أن بعضها غير مطمئن إطلاقاً بدوره. والحقيقة أن البحث عن الدور والشرعية في الخارج ليس بخصيصة حديثة، بل هي ملتصقة بتاريخ المشرق، أو شرق المتوسّط، منذ اتفاق الحسين-مكماهون، واتّفاقية سايكس بيكو، وما بعد ذلك من مؤتمرات واتفاقات، وتأسيس بلاد جديدة في المنطقة، وتوزّع الحصص بين «حماتها» الخارجيين. كما لم ينته البحث بعد تلك الفترة، أثناء الاستقلال ثمّ بعده في الانقلابات المتكرّرة.. حتى أصبح السؤال عن معلومات النشاط والدور الخارجي أساساً لأيّ تحليل ورؤية.. أساساً لأيّة شرعية طارئة، وما أكثرها.
كان ملك الشرعية الخارجية حافظ الأسد: الذي أراد علاقة متطورة مع الولايات المتحدة ومع الاتحاد السوفييتي، ومع «المعسكر الرجعي» في المنطقة و»جبهة الصمود والتصدْي»؛ كما فعل في الداخل بتكريسه تقاليد حزب البعث الهجينة في البناء الاقتصادي، وتعزيز العلاقات مع بعض الاقتصاديين في البازار الشاميّ (الشلّاحيين) مع ضجيج طبقي مستمرّ عن طريق استمرار سياسة التأميم. وقد ترك لبعض الحرّيات مجالاً في البداية ليغري الخارج والداخل، وانفتح على القوى المنظّمة سابقاً مع وضع حدود أمام حركتها. لكنّه في الواقع كان حريصاً على تلك الشرعية الداخلية – الشكلية- مؤقّتاً، وبينما يؤسس ويبني مملكته الأمنية العسكرية الهائلة، في حين حاول الاحتفاظ بالجانب الخارجي منها، ولكن بنجاح نسبي فقط.
حاولت مادلين أولبرايت وجاك شيراك والجيران العرب والأوروبيون، دعم بشار الأسد بدوره، لكنه سقط بشكل أسرع من أبيه، رغم استفادته من تجربة الفترة الانتقالية ذاتها، حين ارتدى لبوس الإصلاحي الحداثوي لفترة قصيرة، سرعان ما تلاشت. يمكننا التسليم بالطبع بأهمّية العامل الخارجي في تأسيس الشرعية، لكن ذلك عابر ما دام العقد بالتراضي ما بين السلطة والشعب غائباً. وإذا اكتفى الناس لفترة محدودة بمبادلة الطاعة بالأمان والأمن، فإن ذلك غير دائم ولا كافٍ على الإطلاق.
لا يمكن أن تكون شرعية لسلطة في دولة معيّنة إلّا من خلال «اعتراف» الناس بالسلطة، بهيبتها، بقبولها والرضا بها، ومن ثمّ من خلال تنفيذهم لتعليماتها… الملتزمة بالعقلانية والقانون- الطبيعي على الأقل، المتعلّق بحقوق الحرية والحياة والتملّك، وبحقوق الإنسان عموماً- بل وبدستور مدني حديث وديمقراطي. كذلك لا تحظى تلك السلطة بالحق في ادّعاء السيادة الوطنية إلّا من خلال اعتراف المجتمع الدولي بها، ولكن أولاً من خلال تمثيلها لمطالب الناس.. والثورة في حالتنا.
ما حدث في سوريا في العقود الأخيرة كان مذبحة للعقل والمنطق، فالشرعية تأتي- عند ماكس فيبر- من التقاليد مثلاً كما في دولة ملكية وراثية، أو من قائد له من الكاريزما ما يكفي لسلطة مؤقتاً، أكثر أو أقلّ… أو من العقلانية وسيادة القانون وحكم الدستور. لكنّ ذلك المبحث قد توسّع كثيراً في القرن المنصرم، لينتقل من الشرعية الوصفية المذكورة إلى الشرعية المعيارية التي تعقّدت روائزها وزادت من دور المجتمع والمصلحة، أو هي زادت من شرعية تلك الشرعية.
على الرغم من تعريف السلطة الشرعية كحالة خاصة من السلطة الفعّالة التي هي بدورها حالة خاصة من سلطة الأمر الواقع، فإن الأولى فقط هي التي تُوصف بشكل مناسب بأنها تخدم مواطنيها. أما السلطة غير الشرعية – ولكن الفعالة ولو بواقع الحال – فلا تخدم من تهدف إلى حكمهم، على الرغم من أنها قد تدعي ذلك.
وقبل مئات السنين، أكّد توماس هوبس على وجود سلطة قوية تمنح الأمن، وجون لوك على حقوق الأفراد، في حين دافع جان جاك روسو عن الإرادة الجمعية التي تعكس رغبات الجماعة. وهؤلاء عصبة التنوير والحداثة السياسية. لذلك، للحكومة السورية الحالية أن تحوز الرضا العام وتحمي أمن جميع السوريين الفردي والجماعي، الاجتماعي والاقتصادي والسياسي… ثمّ تنظر من دون تلكّؤ في الديمقراطية، صاحبة تاج الشرعية في العصر الراهن.
يتلمّس السوريون معالم لافتة في إيحاءاتها، منها العودة لاستنهاض ما يسبق الدولة الوطنية باتّجاه الطائفية والعشائرية، وما يسبق الدولة المدنية باتّجاه الدولة الدينية، وما يسبق الاقتصاد الوطني إلى الاقتصاد الريعي الفظّ، أو الزبائني الفاسد، وما يسبق المستقبل إلى الماضي، ومجمل ما تقوم به السلطة المؤقّتة وحصيلته هو الدفع بهذا الاتّجاه الخطر، بنوايا طيّبة أو غير طيّبة لا فرق في النتيجة والمآل …
ولو كانت قوة السلطة لازمة لحماية تطبيق القانون، فإن تمركزها المتصاعد والحثيث سوف يعيد للسوريين كوابيسهم السابقة، وهو استسهال لتحقيق الانضباط بالأوامر والرهبة، بدلاً من الرضا المفترض أن تحوزه سلطة شرعية، ولو كانت لا تزال في بداياتها. بحثنا في ذلك كثيراً في عهد الأسدين الأوّل والثاني، ولا بأس بالبحث أيضاً بعد سقوط ذلك العهد وبداية عهد آخر ما زال ملتبس التكوين والتوجّه. ونعلم جيداً أن بيان الثّوار الأوائل ذاك، أصبح تاريخاً بشكلٍ مؤقت أو دائم، لكننا سنحتفل أيضاً وكلّ عام بسقوط الأسد، وسوف نتأكّد من التوجّه نحو الدولة الحديثة ونبقى على خطّها: الديمقراطية ذات الحريات وحقوق الإنسان، والشرعية ذات الدستور العصري وسيادة القانون والتنمية المستدامة!
كاتب سوري
- القدس العربي


























